المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٨
من أصله من جهة أنه إجماع، فلا يظهر للإجماع قيمة من ناحية كونه حجة و مصدرا للتشريع الإسلامي مهما بالغ الناس في الاعتماد عليه، و إنما يصح الاعتماد عليه إذا كشف لنا عن قول المعصوم، فيكون حينئذ كالخبر المتواتر الذي تثبت به السنة. و سيأتي البحث عن ذلك.
و أما السؤال الثاني: فالذي يثيره أن ظاهره تلك المسالك الثلاثة المتقدمة يقضي بأن الحجة إنما هو إجماع الأمة كلها أو جميع المؤمنين بدون استثناء، فمتى ما شذ واحد منهم- أي كان- فلا يتحقق الإجماع الذي قام الدليل على حجيته، فإنه مع وجود المخالف- و إن كان واحدا- لا يحصل القطع بحجية إجماع من عداه مهما كان شأنهم، لأن العصمة- على تقدير ثبوتها بالأدلة المتقدمة- إنما ثبتت لجميع الأمة لا لبعضها.
و لكن ما توقعوه من ذهابهم إلى حجية الإجماع- و هو إثبات شرعية بيعة أبي بكر- لم يحصل لهم، لأنه قد ثبت من طريق التواتر مخالفة علي (عليه السلام) و جماعة كبيرة من بني هاشم و باقي المسلمين، و لئن التجأ أكثرهم بعد ذلك إلى البيعة فإنه بقي منهم من لم يبايع حتى مات مثل سعد بن عبادة (قتيل الجن).
و لأجل هذه المفارقة بين أدلة الإجماع- و واقعه الذي أرادوا تصحيحه- كثرت الأقوال في هذا الباب لتوجيهها: فقال مالك- على ما نسب إليه-: إن الحجة هو إجماع أهل المدينة فقط. و قال قوم: الحجة إجماع أهل الحرمين مكة و المدينة و المصرين الكوفة و البصرة. و قال قوم: المعتبر إجماع أهل الحل و العقد. و قال بعضهم:
المعتبر إجماع الفقهاء الأصوليين خاصة. و قال بعض: الاعتبار بإجماع أكثر المسلمين، و اشترط بعض في المجمعين أن يحققوا عدد التواتر. و قال آخرون: الاعتبار بإجماع الصحابة فقط دون غيرهم ممن جاءوا بعد عصرهم كما نسب ذلك إلى داود و شيعته ... إلى غير ذلك من الأقوال التي يطول ذكرها المنقولة في جملة من كتب الأصول.
و كل هذه الأقوال تحكمات لا سند لها و لا دليل، و لا ترفع الغائلة من تلك المفارقة الصارخة. و الذي دفع أولئك القائلين بتلك المقالات أمور وقعت في تاريخ بيعة الخلفاء- يطول شرحها- أرادوا تصحيحها بالإجماع.
هذه هي الجذور العميقة للمسألة التي أوقعت القائلين بحجة الإجماع في حيص