المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٤٦ - د- دليل حجية خبر الواحد من بناء العقلاء (١)
للعلم.
و قد عالجنا هذا الأمر فيما يتعلق بشمول هذه الآيات الناهية للاستصحاب في الجزء الرابع مبحث الاستصحاب، فقلنا: إن هذه الآيات غير صالحة للردع عن الاستصحاب الذي جرت سيرة العقلاء على الأخذ به، لأن المقصود من النهي عن اتباع غير العلم النهي عنه إذ يراد به إثبات الواقع، كقوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* بينما إنه ليس المقصود من الاستصحاب إثبات الواقع و الحق، بل هو أصل و قاعدة عملية يرجع إليها في مقام العمل عند الشك في الواقع و الحق. فيخرج الاستصحاب عن عموم هذه الآيات موضوعا.
و هذا العلاج- طبعا- لا يجري في مثل خبر الواحد؛ لأن المقصود به كسائر الأمارات الأخرى إثبات الواقع و تحصيل الحق.
و لكن مع ذلك نقول: إن خبر الواحد خارج عن عموم هذه الآيات تخصصا؛ كالظواهر التي أيضا حجيتها مستندة إلى بناء العقلاء على ما سيأتي.
و ذلك بأن يقال- حسبما أفاده أستاذنا المحقق الأصفهاني (قدس سره) في حاشيته على الكفاية، ج ٣، ص ١٤- قال: (إن لسان النهي عن اتباع الظن و إنه لا يغني من الحق شيئا ليس لسان التعبد بأمر على خلاف الطريقة العقلائية، بل من باب إيكال الأمر إلى عقل المكلف من جهة إن الظن بما هو ظن لا مسوغ للاعتماد عليه و الركون إليه. فلا نظر في الآيات الناهية إلى ما استقرت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتباعه من أجل كونه خبر الثقة. و لذا كان الرواة يسألون عن وثاقة الراوي للفراغ عن لزوم اتباع روايته بعد فرض وثاقته).
أو يقال- حسبما أفاد شيخنا النائيني (قدس سره) على ما في تقريرات الكاظمي (قدس سره)، ج ٣، ص ٦٩- قال: (إن الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل خبر الثقة؛ لأن العمل بخبر الثقة في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم، بل هو من أفراد العلم لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع، لما قد جرت على ذلك طباعهم و استقرت عليه عادتهم. فهو خارج عن العمل بالظن موضوعا. فلا تصلح أن تكون الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم رادعة عن العمل بخبر الثقة، بل الردع يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص).
و على كل حال، لو كانت هذه الآيات صالحة للردع عن مثل خبر الواحد