المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٤٤ - د- دليل حجية خبر الواحد من بناء العقلاء (١)
و كذلك أخذهم بظواهر الكلام و ظواهر الأفعال، فإن بناءهم العملي على إلغاء الاحتمالات الضعيفة المقابلة. و ذلك من كل ملة و نحلة.
و على هذه السيرة العملية قامت معايش الناس و انتظمت حياة البشر، و لولاها لاختل نظامهم الاجتماعي و لسادهم الاضطراب لقلة ما يوجب العلم القطعي من الأخبار المتعارضة سندا و متنا.
و المسلمون بالخصوص كسائر الناس جرت سيرتهم العملية على مثل ذلك في استفادة الأحكام الشرعية من القديم إلى يوم الناس هذا، لأنهم متحدو المسلك و الطريقة مع سائر البشر، كما جرت سيرتهم بما هم عقلاء على ذلك في غير
عمل جمع من الأصحاب بهذه الأخبار، و من غير رد ظاهر لهذه الأخبار، بوجوه، قال: «الأول: أنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة، سيّما بالأصول الضرورية، كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و المتاجر و الأنكحة و نحوها، مع أن جلّ أجزائها و شرائطها و موانعها إنما يثبت بالخبر الواحد الغير القطعي، بحيث يقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد، و من أنكر فإنما ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالإيمان». الوافية.
و قد رد على هذا الوجه بردين ذكرهما الشيخ الأنصاري في رسائله و الشيخ الآخوند في كفايته فمن أرادهما فليراجع.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق الشيخ محمّد تقي في حاشيته على المعالم لإثبات حجية الظن الحاصل من الخبر لا مطلقا بما ملخصه. أنا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع إلى الكتاب و السنة إلى يوم القيامة، فإن تمكنا من الرجوع إليهما على نحو يحصل العلم بالحكم الواقعي- لأنه مع العلم بالكتاب و السنة يحصل العلم بالحكم الواقعي- أو ما هو بحكم العلم بالحكم الواقعي، و المراد بما هو بحكم العلم الظن الخاص المعلوم اعتباره كغير الواحد مثلا. فإذا تمكنا من الرجوع إلى الكتاب و السنة على نحو يحصل العلم أو الظن الخاص بالحكم الواقعي وجب الرجوع إليهما، و إلّا فلا محيص عن التنزل إلى حصول الظن المطلق بأحدهما.
و قد ورد عليه: «و فيه أنّه إن كان المراد من السنّة هذه الأخبار الحاكية لقول المعصوم أو فعله أو تقريره الموجودة في كتب الحديث: فوجوب الرجوع إليها أول الكلام، إلّا أن يدعى العلم الإجمالي بصدور كثير منها، أو يدعى العلم الإجمالي بوجود أحكام كثيرة فعلية في مضامينها، بحيث يلزم من إهمالها الخروج عن الدين أو المخالفة القطعية الكثيرة، فهذا يرجع إلى دليل الانسداد.
و إن كان المراد من السنة نفس قول المعصوم و فعله و تقريره: فوجوب الرجوع إليها و إن كان كذلك، و ثابت بالضرورة كما أفاده، و لكنه لا ربط له بما هو محل الكلام، من حجية خبر الثقة» [١].
[١] راجع كتاب منتهى الأصول.