المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٤٣ - د- دليل حجية خبر الواحد من بناء العقلاء (١)
و سر هذه السيرة: أن الاحتمالات الضعيفة المقابلة ملغية بنظرهم لا يعتنون بها، فلا يلتفتون إلى احتمال تعمد الكذب من الثقة، كما لا يلتفتون إلى احتمال خطئه و اشتباهه أو غفلته.
الصدور و مشكوكه و موهومه.
و أما الشيخ الأنصاري (قدس سره) فقد قرر هذا الوجه العقلي بقوله: «أولها ما اعتمدته سابقا، و هو إنه لا شك للمتتبع في أحوال الرواة المذكورة في تراجمهم في أن أكثر الأخبار بل جلها إلّا ما شذ و ندر صادرة عن الأئمة (عليهم السلام)، و هذا يظهر بعد التأمل في كيفية ورودها إلينا و كيفية اهتمام أرباب الكتب من المشايخ الثلاثة و من تقدمهم في تنقيح ما أودعوه في كتبهم». إلى أن قال بعد الاستشهاد بكيفية تدوين الأحاديث و جمعها: «و المقصود مما ذكرنا: رفع ما ربما يكابره المتعسف الخالي عن التتبع من منع هذا العلم الإجمالي. ثم أن هذا العلم الإجمالي إنما هو متعلق بالأخبار المخالفة للأصل المجردة عن القرينة، و إلّا فالعلم بوجود مطلق الصادر لا ينفع، فإذا ثبت العلم الإجمالي بوجود الأخبار الصادرة فيجب بحكم العقل العمل بكل خبر مظنون الصدور، لأن تحصيل الواقع الذي يجب العمل به إذا لم يمكن على وجه العلم تعين المصير إلى الظن في تعيينه توصلا إلى العمل بالأخبار الصادرة».
و أما الفرق بين التقريرين فهو: أن الشيخ أفاد في تقريب الدليل: أن العلم الإجمالي بصدور جملة من الأخبار الموجودة فيما بأيدينا يوجب العمل بكل واحد من هذه الأخبار، لأنه من أطراف العلم الإجمالي، و أورد عليه أولا بقوله: «إن وجوب العلم بالأخبار الصادرة إنما هو لأجل وجوب امتثال أحكام الله الواقعية المدلول عليها بتلك الأخبار ... إلى أن قال: و حينئذ نقول: إن العلم الإجمالي ليس مختصا بهذه الأخبار». و حاصله: إن العلم الإجمالي لا تنحصر أطرافه بخصوص الأطراف، إذ نعلم إجمالا بوجود الأحكام الواقعية في موارد الشهرات و الإجماعات المنقولة أيضا، و يلزم حينئذ وجوب العمل بجميع الأمارات من باب الاحتياط دون خصوص الأخبار. و المصنف قرر الدليل بنحو يخلو عن هذا الإشكال- يعني: إشكال عدم الانحصار- إذ قد عرفت في توضيح كلامه: أنه جعل دائرة العلم الإجمالي منحصرا في خصوص الأخبار، بدعوى: أن الروايات المعلوم صدورها إجمالا تكون بمقدار الأحكام الواقعية و وافية بها، و هذا يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير- أعني العلم الإجمالي بوجود الأحكام في موارد جميع الأمارات- بما في الأخبار المدونة في الكتب التي بأيدينا، فلا موجب للاحتياط في جميع الأمارات كما هو مقتضى الإيراد المتقدم، و عليه، فهذا الوجه العقلي يختص بالأخبار و لا يكون أعم منها و من سائر الأمارات، فكلام الشيخ (قدس سره) في تقرير هذا الوجه من الدليل العقلي أعم موردا من كلام المصنف (قدس سره) في تقريره» [١].
الوجه الثاني: في بيان و إثبات حجية خصوص خبر الواحد: فمن وجوه الدليل العقل. ما ذكره صاحب «الوافية» مستدلا على حجيّة الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة مع
[١] راجع منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٤، ص ٥٢٢- ٥٢٦.