المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٣١ - ب- دليل حجية خبر الواحد من السنة
.....
و الأمر الثاني: أن طرح العمل بخبر الواحد على خلاف السجية، و مع الالتفات إلى هذين الأمرين حينئذ يثبت أن افتراض عدم العمل بأخبار الآحاد المفروض أنها موجودة عندهم- هذا الافتراض لا يمكن أن يتم بدون وجود استعلام- أي: من دون أن يستمدوا هذا الحكم من قبل الأئمة (عليهم السلام) لأن العلم الذي يكون على فوق سجية العقلاء، و على طبق الارتكاز العقلائي عادة ما يعمل به الناس لأن طرحه على خلاف السجية. فإذا طرحوه لا بد أن يكون هذا الطرح مستندا إلى وجود نص من قبل الأئمة (عليهم السلام) و هذا يستدعي استعلام حكم العمل بخبر الآحاد من قبل الأئمة (عليهم السلام)، و لما كانت المسألة كما قلنا محل ابتلاء و الأخبار التي في داخله في محل ابتلائهم كثيرة جدا، و ليست مختصة بأشخاص معينين، و لا بزمان معين، و لا بإمام معين فلا بد من افتراض وقوع الاستعلام من قبل الأئمة (عليهم السلام)، و السؤال و الجواب بلحاظ حكم هذه المسألة، و افتراض هذا الاستعلام لا بد أن يكون استعلاما كثيرا لا بد أن تكون هناك أسئلة و أجوبة كثيرة جدا حول حكم هذه المسألة، و هذا الاستعلام تتوفر الدواعي لنقله إلينا مع عدم وجود المانع الذي يمنع من النقل لأنها مسألة أصولية لا ترتبط بشيء خلافي مع أبناء العامة حتى تطبق التقية، و إنما هي مسألة أصولية- (العمل بأخبار الآحاد الثقات مطلقا من دون تشخيص لذلك الثقة)- فمع توفر الدواعي للنقل مع عدم وجود ما يمنع من هذا النقل فنقول بمقتضى هذا الباب: لا بد أن يصل إلينا شيء على الأقل من تلك النصوص الدالة على عدم جواز العمل، و التي تكون هي المستند لافتراض عدم عمل العقلاء المتشرعة بأخبار الآحاد، فإذا افترضنا- كما هو واضح- إن هذه النصوص لم يصل إلينا شيء منها أصلا؛ بل بالعكس وصل إلينا ما يعزز الحجية (حجية خبر الواحد). و على جوازه الذي قلنا تكاد تكون متواترة، فهذا ينفي احتمال افتراض عدم عمل المتشرعة بهذه الأخبار؛ بل عمل المتشرعة قائم على العمل بهذه الأخبار. إذا: بهذا الطريق نستطيع أن نثبت معاصرة السيرة على العمل بأخبار الآحاد للمعصومين.
فإذا تمت هذه المقدمة حينئذ ننتقل إلى المقدمة الثانية فنقول: إن هذه السيرة التي استدللنا على ثبوتها في زمن المعصومين إما أن نفترض أنها سيرة متشرعة، و إما أن نفترض أنها سيرة عقلائية، و على كلا التقديرين تصلح لأن تكون دليلا لإثبات حجية خبر الواحد.
أما افتراض أنها سيرة متشرعة: فهي تدل على حجية خبر الواحد كما قلنا مباشرة بلا حاجة إلى ضميمة سكوت المعصوم الكاشف عن الرضا. لما ذا؟ لأن عمل المتشرعة بما هم متشرعة لا بد أن يكون مستندا إلى دليل شرعي، فسيرة المتشرعة بحساب الاحتمالات كما تقدم تكشف كشفا إنيا من باب كشف المعلول عن العلة، أي: يكشف عن دليل دال على جواز العمل بأخبار الآحاد. إذا: نحن مستندنا ذلك الدليل الذي أصبح دليلا لهذه السيرة و علة لها، الدالة على حجية خبر الواحد. فتثبت حجية خبر الواحد بسيرة المتشرعة بلا توسط شيء أصلا.
و أما إذا كانت السيرة سيرة عقلائية قلنا في السيرة العقلائية: إن العمل الصادر عن العقلاء بما هم عقلاء لا يكون كاشفا مباشرة عن وجود دليل شرعي، لأن العمل الصادر من العقلاء لا يجب أن يكون متلقى من قبل المعصوم، فهنا لا بد أن نضم إليه تلك الضميمة التي بيناها سابقا و هي: أن السيرة