المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٣٢ - ب- دليل حجية خبر الواحد من السنة
.....
جارية بمرأى و بمسمع من المعصوم، فإذا كان لا يرضى عنها فلا بد أن يردع، فإذا لم يردع نستكشف الرضا فيفهم من سكوت المعصوم عن هذه السيرة، و عدم ردعه المستكشف منه الإمضاء إلى وجود تلك السيرة، و الدليل هو عبارة عن إمضاء هذه السيرة من قبل المعصوم (عليه السلام) المستكشف من سكوت المعصوم (عليه السلام) و عدم الردع، فيكون دليلا على حجية خبر الواحد. هذا بالنسبة إلى المقدمة الثانية.
و في المقدمة الثالثة: نقول: بأنه قد يقال: بأنه من قال أن المعصوم سكت عن السيرة العقلائية؟ بل قد يقال أن المعصوم ردع عن هذه السيرة أي: ردع الشارع عن العمل بخبر واحد. و الدليل على هذا الردع الآيات الناهية عن العمل بالظن: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً،* و هذا نهي عام ينهى عن العمل بكل ظن، و لا شك: بأن العمل بخبر الواحد عمل بالظن فيكون مشمولا لإطلاق الآية، و لعموم هذه الآيات الناهية عن العمل بالظن. فإذا: هذه الآيات تصلح أن تكون رادعة عن العمل بهذه السيرة، فلا يمكن الاستدلال حينئذ بهذه السيرة العقلائية.
و في مقام الجواب نقول: بأن هذه الآيات لا تصلح لأن تكون رادعة عن السيرة- أي: رادعة عن العمل بخبر الواحد- لما ذا؟ لأننا نقول: إن العقلاء المتشرعة هم الموجودون في زمان الشارع، و المفروض: أنهم يعملون بأخبار الآحاد و هذا أثبتناه في المقدمة الأولى.
و بعبارة أخرى: المستشكل يقول بأن هذه الآيات تردع عن هذا العمل- العمل بأخبار الآحاد- و نحن نقول: إن هؤلاء المتشرعة العاملين بأخبار الآحاد- بحسب الفرض- هل خفيت عليهم هذه الآيات أو أنهم كانوا يقرءونها و يعملون بها؟ إذا: نقول: لو كانت هذه الآيات صالحة للردع عن السيرة فحينئذ:
لا بد من أن نفترض إما أن المتشرعة عاصون لأنهم مع وجود الآيات الرادعة عن العمل بأخبار الآحاد مع ذلك عملوا بها. و هذا يستوجب افتراض العصيان. و افتراض العصيان في فرد واحد من المتشرعة ممكن، و كذا على فردين أما في جميع المتشرعة هذا غير ممكن. إذا: افتراض أن جميع المتشرعة عاصين افتراض بعيد جدا، و مقطوع بعدمه، و كذلك افتراض كونهم لم يلتفتوا إلى هذه الآيات بعيد جدا عنهم.
و إما أن المتشرعة ملتفتون إلى هذه الآيات لكنهم يرون أنها لا تدل على الردع و لا تصلح للردع، أو أن نفترض إن الآيات أصلا ليست دالة على الردع لا إنها دالة لكن يرونها غير صالحة للردع، و إنما هذا الافتراض هو إنها غير دالة أصلا. هذا الافتراض أيضا ينفعنا لأنه يثبت بهذا إن الآيات ليست دالة على الردع. إذا: سواء افترضنا غفلة العقلاء عن هذه الآيات، و أنها رادعة، أو افترضنا أنهم التفتوا إليها لكنهم يرون أنها غير رادعة، أو التفتوا إليها لكنها غير دالة واقعا على الردع على جميع التقارير يثبت عدم الردع؛ لأن ردع الشارع عن سيرة لا بد أن يوصله بيد العقلاء الذين يعملون بتلك السيرة، فلا بد أن يصل الردع الواضح إلى العقلاء حتى يرتدعوا عن العمل بهذه السيرة، فإذا افترضنا أن هذه الآيات موجودة بمرأى و مسمع منهم لكنهم غفلوا عنها و كانوا يرون إنها ليست رادعة، و هي واقعا ليست دالة على الردع فهذا يثبت به عدم صلاحيتها للردع، فإذا لم تكن صالحة للردع فيثبت عدم الردع، و يثبت سكوت الإمام المعصوم (عليه السلام) على الإمضاء.