المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٢٢ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
و ينسّق على هذه الآية باقي الآيات الأخر التي ذكرت للاستدلال بها على المطلوب فلا نطيل بذكرها.
إلّا أنه أورد على هذا التقريب عدة إيرادات و من جملتها ما يلي:
أولا: أن الآية وردت و نزلت في أصول العقائد، و في مقام توبيخ علماء أهل الكتاب، و أنهم كتموا ما رأوا في الكتاب من علائم و شواهد النبي (صلى الله عليه و آله)، و لا شك في: عدم حجية الخبر الواحد في أصول العقائد، بل لا بد فيها من تحصيل العلم لو أمكن.
ثانيا: أنه من الممكن أن تكون فائدة حرمة الكتمان و وجوب الإظهار عليهم هو حصول العلم من قولهم؛ لأجل تعددهم، لا العمل بقولهم و إن لم يحصل العلم من إخبارهم.
و لكن الإنصاف: إنه لو لم يكن ورودها في أصول العقائد، و إنه تعالى في مقام توبيخ علماء أهل الكتاب- من جهة إخفائهم شواهد النبوة- لما كان وجه لإنكار إطلاق الآية، و شمولها لكلتا حالتي حصول العلم من قولهم، و عدم حصوله، و إلّا ينسدّ باب التمسك بالإطلاقات [١].
و من جملة الآيات: قوله تعالى: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ. التوبة/ ٦١.
- تقريب الاستدلال هو: أن الله «عزّ و جلّ» مدح نبيه (صلى الله عليه و آله) بتصديقه للمؤمنين، و قرن تصديقهم بتصديق الله «عزّ و جلّ»، و هذا معنى قبول ما أخبروا به، و العمل على طبقه.
و قال الشيخ الأنصاري في رساله: و يزيد في تقريب الاستدلال وضوحا ما رواه في فروع الكافي، في الحسن بإبراهيم بن هاشم، أنه كان لإسماعيل بن أبي عبد الله دنانير، و أراد رجل من قريش أن يخرج بها إلى اليمن. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «يا بنيّ: أما بلغك أنه يشرب الخمر؟» قال: سمعت الناس يقولون. فقال: «يا بني! إن الله «عزّ و جلّ» يقول: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ. يقول: يصدق الله و يصدق للمؤمنين. فإذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم». (وسائل الشيعة، ج ٦، ص ٢٣٠).
أورد صاحب الكفاية في كفايته، و الشيخ الأنصاري (قدس سره) في رسائله على هذا الاستدلال بالآية بوجهين:
أولهما: ما تعرض له الشيخ الأنصاري بقوله (قدس سره): «إن المراد بالأذن: السريع التصديق و الاعتقاد بكل ما يسمع، لا من يعمل تعبدا بما يسمع من دون حصول الاعتقاد بصدقه، فمدحه بذلك بحسن ظنه بالمؤمنين و عدم اتهامهم». و بعبارة أخرى: أن الآية تدل على أنه (صلى الله عليه و آله) سريع القطع، فيكون تصديقه (صلى الله عليه و آله) للمؤمنين لأجل حصول القطع بقولهم، لا مطلقا و لو تعبدا، فيكون أجنبيا عن المقام الذي هو اعتبار قول المؤمن تعبدا.
ثانيا: قال الشيخ الأنصاري: «إن المراد من التصديق في الآية ليس جعل المخبر به واقعا و ترتيب جميع آثاره عليه، إذ لو كان المراد به ذلك لم يكن أذن خير لجميع الناس ... إلخ». و توضيحه: أن المطلوب في حجية خبر الواحد هو ترتيب جميع الآثار الشرعية- المترتبة على المخبر به واقعا- على إخبار الثقة أو
[١] راجع هذين الإيرادين و الاستدراك: كتاب منتهى الأصول، ج ٢، ص ١٥١.