المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٥ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
لهذا الأمر اللازم تحقيقه على كل حال و هو التعليم، بتشريع طريقة أخرى للتعلم غير طريقة التعلم اليقيني من نفس لسان الرسول. و قد بينت بقية الآية هذا العلاج و هذه الطريقة و هو قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...، و التفريع بالفاء شاهد على أن هذا علاج متفرع على نفي وجوب النفر على الجميع.
و من هذا البيان يظهر أن هذه الفقرة (صدر الآية) لها الدخل الكبير في فهم الباقي من الآية الذي هو موضع الاستدلال على حجية خبر الواحد. و قد أغفل هذه الناحية المستدلون بهذه الآية على المطلوب، فلم يوجهوا الارتباط بين صدر الآية و بقيتها للاستدلال بها، على نحو ما يأتي.
٢- الكلام عن نفس موقع الاستدلال من الآية على حجية خبر الواحد، المتفرع هذا الموقع على صدرها لمكان فاء التفريع.
إنه تعالى بعد أن بيّن عدم وجوب النفر على كل واحد واحد تخفيفا عليهم حرضهم على اتّباع طريقة أخرى بدلالة (لو لا) التي هي للتحضيض، و الطريقة هي:
أن ينفر قسم من كل قوم ليرجعوا إلى قومهم فيبلغوهم الأحكام بعد أن يتفقهوا في الدين و يتعلّموا الأحكام. و هو في الواقع خير علاج لتحصيل التعليم بل الأمر منحصر فيه.
فالآية الكريمة بمجموعها تقرر أمرا عقليا و هو: وجوب المعرفة و التعلم، و إذا تعذرت المعرفة اليقينية بنفر كل واحد إلى النبي ليتفقه في الدين فلم يجب، رخص الله تعالى لهم لتحصيل تلك الغاية- أعني: التعلم- بأن ينفر طائفة من كل فرقة.
و الطائفة المتفقهة هي التي تتولى حينئذ تعليم الباقين من قومهم، بل إنه لم يكن قد رخصهم فقط بذلك و إنما أوجب عليهم أن ينفر طائفة من كل قوم، و يستفاد الوجوب من (لو لا) التحضيضية و من الغاية من النفر و هو التفقه لإنذار القوم الباقين لأجل أن يحذروا من العقاب، مضافا إلى: أن أصل التعلم واجب عقلي كما قررنا.
كل ذلك شواهد ظاهرة على وجوب تفقه جماعة من كل قوم لأجل تعليم قومهم الحلال و الحرام. و يكون ذلك- طبعا- وجوبا كفائيا.
و إذا استفدنا وجوب تفقه كل طائفة من كل قوم أو تشريع ذلك بالترخيص فيه على الأقل- لغرض إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم- فلا بدّ أن نستفيد من ذلك أن نقلهم للأحكام قد جعله الله تعالى حجة على الآخرين و إلّا لكان تشريع هذا النفر