المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٦ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
جهة خوف إصابة قوم بجهالة. و طبعا لا يكون ذلك إلّا من جهة اعتبار خبر العادل و حجيته؛ لأن المترقب منه الصدق، فيكشف ذلك عن حجية قول العادل عند الشارع و إلغاء احتمال الخلاف فيه (١).
(١) قال الشيخ الأنصاري في رسائله: «و المحكيّ في وجه الاستدلال بالآية وجهان:
أحدهما: أنه سبحانه علّق وجوب التثبّت على مجيء الفاسق، فينتفي عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط.
و إذا لم يجب التثبّت عند مجيء غير الفاسق، فإمّا أن يجب القبول و هو المطلوب، أو الردّ و هو باطل، لأنّه يقتضي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق، و فساده بيّن».
و قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره): «و تقريب الاستدلال: أن الجملة في الآية الكريمة شرطية، و الحكم فيها هو الأمر بالتبين، و موضوع الحكم النبأ، و شرطه مجيء الفاسق به، فتدل بالمفهوم على انتفاء وجوب التبين عن النبأ إذا انتفى الشرط و لم يجئ به الفاسق، و هذا يعني: إنه لا يجب التبين في حالة مجيء العادل بالنبإ، و ليس ذلك إلا لحجيته».
و قد نوقش في الاستدلال المذكور بوجهين:
الأول: أن مجيء الفاسق بالنبإ شرط محقق للموضوع لأنه هو الذي يحقق النبأ، و ليس للجملة الشرطية مفهوم إذا كان الشرط مسوقا لتحقق الموضوع، على حد تعبير السيد الصدر (قدس سره).
و بعبارة واضحة نقول:- في توضيح ما إذا كان الشرط مسوقا لتحقق الموضوع- و مثاله: «إذا جاء زيد فأكرمه» فالموضوع هنا هو «زيد» و الشرط هو «المجيء» و الحكم هو «وجوب الإكرام». فالحكم و هو «وجوب الإكرام» ثابت للموضوع الذي حقق «زيد» بشرط «المجيء». و حتى يثبت لنا المفهوم لا بدّ أن نحافظ على الموضوع المذكور في المنطوق، ففي المفهوم نقول: «إذا لم يجئ زيد لا يجب إكرامه»، فالمفهوم هنا ثابت لبقاء الموضوع محفوظ في المفهوم.
بينما في جملة: «إذا رزقت ولدا فاختنه» لا مفهوم لها. لأن الشرط هنا مسوق لتحقق الموضوع بمعنى:
أن الشرط هو الذي يحقق الموضوع، فانتفاء الشرط «عدم رزق الولد» يؤدي إلى انتفاء الموضوع «عدم الولد» فلا موضوع يتعلق به الحكم.
و هنا في المقام نقول: الجملة الشرطيّة في الآية الشريفة يمكن أن يقال بأنها مسوقة لتحقق الموضوع ببيان إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. فالحكم هو «وجوب التبين»، و الموضوع هو «النبأ»، و الشرط هو «مجيء الفاسق به» فتكون الجملة: «إذا جاء الفاسق بالنبإ فتبينه»، فمجيء الفاسق بالنبإ في المنطوق محقق للنبإ و موجد له، فمع انتفاء الشرط «مجيء الفاسق بالنبإ» فلا نبأ أصلا فهي سالبة بانتفاء الموضوع، فحينئذ لا مفهوم لها، فلا معنى أن يقال: «إذا لم يأت الفاسق بالنبإ فلا تتبيّنه» إذ لا نبأ حتى تنهى عنه. و على هذا: فالآية لا تتم كدليل على حجية خبر الواحد لأنها لا مفهوم لها.
و هذه المناقشة ناقشها صاحب الكفاية في كفايته و دفعها بأن قال: إن هذه المناقشة مبنيّة على تصوير الموضوع و الحكم و الشرط بالتصوير الذي طرحناه بأن يقال: بأنّ الموضوع هو «النبأ»، و الشرط هو «مجيء الفاسق به»، و المحمول هو «وجوب التبيّن» فينشأ من هذا الطرح الإشكال، و هو أنّ الجملة الشرطيّة مسوقة لبيان تحقق الموضوع. صاحب الكفاية في كفايته قال: الصحيح هو إن الموضوع ليس