البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٦٢
شرح [١]
قوله تعالى في سورة البقرة : «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً» . قال البيضاوي : أي متّفقين على الحقّ فيما بين آدم وإدريس، أو نوح، أو بعد الطوفان. أو متّفقين على الجهالة والكفر في فترة إدريس، أو نوح، «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ» ؛ أي اختلفوا، فبعث اللّه . وإنّما حذف لدلالة قوله: «فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» ، وقوله : «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا» . [٢] أقول : قوله عليه السلام : (كان قبل نوح اُمّة ضلال) يدلّ على أنّ المراد بالوحدة الاتّفاق على الكفر والضلالة، لا على الحقّ، كما زعمه البيضاوي أوّلاً، بل هو لم يتحقّق بعد ظهور نسل آدم عليه السلام إلى زمن نوح أصلاً . وقوله : (فبدا للّه ) . قال الجوهري : «بدا له في هذا الأمر بداء ـ ممدود ـ أي نشأ له فيه رأي» [٣] انتهى . وهذا بحسب اللغة ، وأمّا البداء بالنسبة إليه تعالى، فحدوث الإرادة مجازا، كما في سائر صفاته. وتحقيقه أنّ إطلاق الصفات وإجراؤها على اللّه سبحانه باعتبار الغايات، لا المبادئ . وقوله : (لم يزل) مقول القول ؛ يعني ليس الأمر كما يقولون: إنّ اللّه تعالى قدّر الاُمور في الأزل، وقد فرغ منها، فلا يتغيّر تقديراته تعالى ، بل للّه البداء فيها بالمعنى الذي ذكرناه ، «يَمْحُوا اللّه ُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» . [٤] وقال الفاضل الإسترآبادي : قوله «فبدا للّه » إلى آخره ؛ أي فحدثَتْ للّه إرادة متعلّقة ببعث نوح عليه السلام ومن بعده من الأنبياء لهداية الناس ، فإرادة اللّه تعالى حادثة، وليست قديمة كما زعمت الفلاسفة، ومُولِعوا فنّ الكلام من علماء الإسلام ، وكيف تكون قديمة، وفي ليلة القدر من كلّ سنة يقدّر اللّه ما يقع في تلك السنة ، والبداء في حقّه تعالى حدوث إرادته، وفي حقّ
[١] في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ١٨٩ : «[السند] مجهول» .[٢] تفسير البيضاوي ، ج ١ ، ص ٤٩٦ .[٣] الصحاح ، ج ٦ ، ص ٢٢٧٨ (بدا) .[٤] الرعد (١٣) : ٣٩ .