البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٦٤
(لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل) . اللّام متعلّقة بالإرسال، و«حجّة» اسم «يكون»، وخبره «للناس» ، أو «على اللّه »، والآخر حال، و«بعد» ظرف للحجّة، أو صفة لها . قال بعض المفسّرين : حجّتهم لو لم يرسل إليهم رسولاً وكتابا، أن يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً، فينبّهنا ويعلّمنا ما لم نكن نعلم . وفيه تنبيه على أنّ بعثة الأنبياء إلى الناس ضرورة؛ لقصور الكلّ عن إدراك جزئيّات المصالح، والأكثر عن إدراك كلّيّاتها . [١] (ويكون بلاغا لقومٍ عابدين) ؛ إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ فِي هذَا لَبَلَاغا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ» [٢] ، والمشار إليه بهذا ما ذكر قبل هذه الآية من الأخبار والمواعظ والمواعيد . والبلاغ، بالفتح: الكفاية، واسم من التبليغ والإبلاغ، وهما للإيصال . ويمكن أن يُراد هنا سبب البلوغ إلى البُغية . والمراد بالعابدين المستعدّين للعبادة . إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الظاهر أن تكون الجملة عطفا على «لئلّا يكون»، والمستتر في «يكون» عائد إلى الكتاب. وعوده إلى الرسول، أو إلى الدِّين احتمال . إن قلت : يلزم على هذا اشتمال المعطوف على ضمير دون المعطوف عليه . قلت : قد حكم بعض الأفاضل بعدم امتناع مثل هذا العطف، وربّما نقل أنّ هذا ممّا جوّزه جماعة من النحاة في مثل قولهم: «الذي يطير، فيغضب زيد الذباب»، وعندي في صحّة هذا الحكم وثبوت النقل عنهم إشكال . والمشهور فيما بينهم الحكم بامتناعه، وجعل الفاء في المثال المذكور للسببيّة، ومنهم من جعله للعطف، بتقدير العائد في المعطوف؛ أي فيغضب بسببه . ومنهم من جعله للعطف من دون تقدير العائد، وخصّ هذا الحكم بالفاء دون غيره . قال ابن مالك : «واخصص بفاء عطف ما ليس صلة على الذي استقرّ أنّه الصلة». [٣] وفيما نحن فيه يمكن أن يكون العائد الإظهار في موضع الإضمار، بأن يكون أصله:
[١] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٦ ، ص ٥٨ .[٢] الأنبياء (٢١): ١٠٦.[٣] اُنظر: شرح ابن عقيل، ج ٢، ص ٢٢٨.