البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١١٧
وثالثها : قاصف؛ «فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِنْ الرِّيحِ» [١] . ورابعها : عاصف؛ «جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ» [٢] . وقوله : (أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل). في بعض النسخ : «أن يجعل الرياح من العذاب رحمة» ، والمآل واحد . قال : (ولن يجعل الرحمة من الرِّيح عذابا) . قيل : لعلّ المراد أنّ من استحقّ العذاب بسبب خصلة قبيحة، ربّما يستحقّ الرحمة بإزالة تلك الخصلة، وكسب خصلة حسنة، فلا يصل إليه العذاب، بخلاف من استحقّ الرحمة والإحسان بسبب خصلة حسنة؛ فإنّه تصل إليه الرحمة، وإن زالت عنه تلك الخصلة؛ لأنّ اللّه تعالى لا يضيع عمل عامل . أو المراد: إذا أرسل ريح العذاب يجعله رحمة بزوال سبب العقاب ، وأمّا إذا أرسل ريح الرحمة ، فلا يجعلها عذابا بزوال سبب الرحمة وحدوث سبب العذاب . ومنه يظهر سرّ «سبقت رحمته غضبه» [٣] . [٤] أقول : لا يخفى عليك أنّ مآل التوجيهين واحد ؛ فإنّه مبنيّ على بطلان مذهب الإحباط، ولم يثبت دليل على بطلانه، وأنّ الاستدلال بقوله : «لأنّ اللّه لا يضيع عمل عامل» ساقط؛ إذ على مذهب الإحباط «العامل» هو الذي يضيّع عمله بنفسه لا غير ، فالأولى أن يحمل هذا الحديث على الإخبار عن الواقع، وإن لم يظهر لنا وجهه . وقوله : (وذلك) إشارة إلى عدم جعل الرحمة عذابا، وبيان له . (أنّه لم يرحم قوما قطّ) في زمان من الأزمنة . قال الفيروزآبادي : «ما رأيته قطّ ـ ويضمّ ويخفّفان ـ وقطّ، مشدّدة مجرورة ، بمعنى الدهر ، مخصوص بالماضي، [أي ]فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عُمري» . [٥] وقوله : (أطاعوه) صفة «قوما» .
[١] الإسراء (١٧) : ٦٩ .[٢] يونس (١٠) : ٢٢ .[٣] مصباح المتهجّد ، ص ٤٤٢ و ٦٩٦ ؛ مصباح الكفعمي ، ص ١٠٥ و ٢٤٩ و ٦٦٧ ؛ مهجّ الدعوات ، ص ٩٩ ؛ الإقبال ، ص ٣٦٢ .[٤] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ٥ .[٥] القاموس المحيط ، ج ٢ ، ص ٣٨٠ (قطط) .