البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١٠٢
ثمّ قال : ولمّا كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها ممّا اختلفت فيه أقاويل الناس، فلا بأس أن نذكر هاهنا بعض أقوال المتكلِّمين والحكماء، ثمّ نبيّن ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمّة الأنام عليهم السلام . فأمّا الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسّسوه من انطباع صور الجزئيّات في النفوس المنطبعة الفلكيّة، وصور الكلّيّات في العقول المجرّدة، وقالوا : إنّ النفس في حالة النوم قد تتّصل بتلك المبادئ العالية، فتحصل لها بعض العلوم الحقّة الواقعيّة، فهذه هي الرؤيا الصادقة . وقال بعضهم : إنّ للنفوس الإنسانيّة اطّلاعا على الغيب في حال المنام، وليس لأحد من الناس إلّا وقد جرّب ذلك من نفسه تجاربا أوجبته التصديق، وليس ذلك بسبب الفكر؛ فإنّ الفكر [في] حال اليقظة التي هو فيها أمكنُ يَقْصُر عن تحصيل مثل ذلك، فكيف في حال النوم؟! بل بسبب أنّ النفوس الإنسانيّة لها مناسبة الجنسيّة إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال، ولها أن تتّصل بها اتّصالاً روحانيّا، وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها ؛ لأنّ اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعُها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلّيّة عن الانتقاش بما في المبادئ العالية ؛ لأنّ أحد العائقَين هو اشتغال النفس بالبدن، ولا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلّيّة ما دام البدن صالحا لتدبيرها ، إلّا أنّه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم؛ فإنّ الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرائين، وينصبّ إلى الحواسّ الظاهرة حالة الانتشار، ويحصل الإدراك بها ، وهذه الحالة هي اليقظة، فتشتغل النفس بتلك الإدراكات . فإذا انحبس الروح إلى الباطن، تعطّلت هذه الحواسّ، وهذه الحالة هي النوم، وبتعطّلها يخفّ أحد شواغل النفس عن الاتّصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها، فيتّصل حينئذٍ بتلك المبادئ اتّصالاً روحانيّا، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ ممّا استعدّت هي لأن تكون منتقشة به، كالمرايا إذا حُوذي بعضها ببعض ما يتّسع له ممّا انتقش في البعض الآخر، والقوّة المتخيّلة جُبّلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكى تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئيّة مناسبة لها، ثمّ ترتسم الصور الجزئيّة في الحسّ المشترك ، فتصير مشاهدة ، وهذه هي الرؤيا الصادقة .