البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٣٥
وقد يفرّق بينهما بأنّ المراد بالأوّل خبر أسمائهم وصفاتهم وأفعالهم ، وبالثاني أثر مساكنهم وأموالهم وقبورهم . ولعلّ المراد بالأكثر الجميع، كما هو الشائع . وقيل : التقييد بالأكثر؛ لبقاء خبر بعضهم وأثره بعدُ في الجملة . [١] وقوله : (بعثهم) أي إرسالهم وانتقالهم إلى الآخرة بسبب الموت . (فأصبحتم حلولاً في ديارهم، ظاعنين على آثارهم) . أصبح الرجل؛ أي دخل في الصباح. وأصبح فلان عالما؛ أي صار . والحلول ـ بالضمّ ـ جمع الحالّ، كشهود وشاهد . والدِّيار جمع الدار . والمراد هنا ما يعمّ مساكنهم ومقابرهم . والظعن، بالسكون والتحريك: السير، وفعله كمنع . وقيل: في جعل «ظاعنين» حالاً من «أصبحتم» دلالة على اتّحاد زمان الحلول والارتحال مبالغة، وفيه تحريك للنفوس العاقلة إلى الاستعداد للارتحال، وتجهيز سفر الآخرة . انتهى . [٢] أقول : بناء هذا التوجيه على أنّ المراد بالظعن الارتحال من الدُّنيا إلى الآخرة، وبالأثر العقب، وهو خلاف الظاهر ، بل الظاهر المتبادر سائرين في مساكنهم ومواضع آثارهم . (والمَطايا بكم تسير سيرا) . قال الجوهري : «سارت الدابّة، وسارها صاحبها، يتعدّى ولا يتعدّى» . [٣] والظرف متعلّق بالسير . والباء للتعدية، أو للتقوية . والمطايا: جمع المطيّة، وهي دابّة تمطو وتجدّ في سيرها . ولعلّ المراد بها الليل والنهار، بقرينة ما سيأتي من قوله : (نهاركم بأنفسكم دؤوب) إلى آخره . أو الأعمار على سبيل الاستعارة. وتأكيد الفعل بالمصدر؛ للدلالة على سرعته وشدّته ، كما أشار إليه بقوله : (ما فيه أين، ولا تفتير) . كلمة «ما» نافية .
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ١٩٨ .[٢] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ١٩٨ و ١٩٩ .[٣] الصحاح ، ج ٢ ، ص ٦٩١ (سير) .