البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١٠٨
بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي . وعلى تقدير التجسّم أيضا يحتمل ذلك، كما يؤمي إليه بعض الأخبار بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد ، وإقبالها إلى عالم آخر، وتوجّهها إلى نشأة اُخرى ، وبعد حركتها ـ بأيّ معنى كانت ـ ترى أشياء في الملكوت الأعلى، وتطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات، فإن كان لها صفاء، ولعينها ضياء، ترى الأشياء كما أُثبت، فلا يحتاج رؤياه إلى تعبير . وإن استدلّت على عين قلبه أغطية من التعلّقات الجسمانيّة والشهوات النفسانيّة، فيرى الأشياء بصورة شبيهة لها ، كما أنّ ضعيف البصر ومؤوف العين يرى الأشياء على غير ما هي، والعارف بعلّته يعرف أنّ هذه الصور المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأيّ شيء ، فهذا شأن المعبّر العارف بدأ كلّ شيء وعلّته ، ويمكن أن يُظهر اللّه عليه الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة ، كما أنّ الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حيّة ، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة؛ ليعرف أنّهما يضرّان، وهما مستقذران واقعا، فينبغي أن يتحرّز عنهما ويتجنّبهما ، وقد يرى في الهواء أشياء، فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها . ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الاُمور المألوفة والشهوات والخيالات الباطلة . ويدلّ على هذين النوعين ما رواه الصدوق في أماليه ، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد وعبداللّه ابني محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين ، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن القاسم النوفلي ، قال : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : المؤمن قد يرى الرؤيا، فتكون كما رآها ، وربّما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا؟ فقال : «إنّ المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلّ ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحقّ ، وكلّ ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام» . فقلت له : أوَ تصعد روح المؤمن إلى السماء؟! قال : «نعم» . قلت : حتّى لا يبقى منها شيء في بدنه؟ فقال : «لا ، لو خرجت كلّها حتّى لا يبقى منها شيء، إذا لمات» .