البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٢٨
وقوله تعالى : «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقِّ» . قال البيضاوي : بالحقّ، صفة مصدر محذوف؛ أي تلاوة ملتبسة بالحقّ. أو حال من الضمير في «اُتل»، أو من «نبأ»؛ أي ملتبسا بالصدق، موافقا لما في كتب الأوّلين . «إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانا» ظرف ل «نبأ»، أو حال منه، أو بدل على حذف مضاف ؛ أي اُتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت . والقربان: اسم لما يتقرّب به إلى اللّه من ذبيحة، أو غيرها ، كما أنّ الحُلوان اسم ما يُحلى [به] ؛ أي يُعطى ، وهو في الأصل مصدر، ولذلك لم يثنّ . وقيل : تقديره : إذ قرّب كلّ واحدٍ منهما قربانا . قيل : كان قابيل صاحب زرع، وقرّب أردأ قمح عنده ، وهابيل صاحب ضَرع، وقرّب حَمَلاً سمينا . «فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْاخَرِ» [١] ؛ لأنّه سخط حكم اللّه ، ولم يخلص النيّة في قربانه، وقصد إلى أخسّ ما عنده . «قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ» ؛ نوعده بالقتل؛ لفرط الحسد له على تقبّل قربانه، ولذلك قال : «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه ُ مِنْ الْمُتَّقِينَ» في جوابه ؛ أي إنّما أتيت من قبل نفسك بترك التقوى، لا من قبلي، فلِمَ تقتلني . وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا، لا في إزالة حظّه؛ فإنّ ذلك ممّا يضرّه ولا ينفعه، وإنّ الطاعة لا تُقبل إلّا من متّقٍ . [٢] وقوله : (فعمد) أي قصد . وقوله : (يجري من ابن آدم مجرى الدم) . نقل عن الأزهري أنّه قال : «معناه أنّ الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حيّا، كما لا يفارق دمه» . وقال : هذا على طريق ضرب المثل، والأكثر أجروه على ظاهره، وقالوا : إنّ الشيطان جعل له هذا المقدار من التطرّق إلى باطن الآدمي، إلى أن يصل إلى قلبه، فيوسوسه على
[١] المائدة (٥) : ٢٧ .[٢] تفسير البيضاوي ، ج ٢ ، ص ٣١٥ .