البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٩٥
يسمع الصوت ويرى الضوء ، ومنه ما يأتي به كصَلصَلَة [١] الجرس ، ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه ، إلى غير ذلك ممّا لم نقف . ويكون مجموع الطرق سبعين، فتكون الرؤيا التي هي ضربُ مثالٍ جزءا من ذلك العدد من أجزاء الوحي. والحاصل أنّ للنبيّ طرقا إلى العلم ، وإحدى تلك الطرق الرؤيا، ونسبتها إلى تلك الطرق أنّها جزء من سبعين جزءا، ولا يلزم أن يبيّن تلك الأجزاء؛ لأنّه لا يلزم العلماء أن يعلموا كلّ شيء جملةً وتفصيلاً ، وقد جعل اللّه سبحانه لهم في ذلك حدّا يوقف عنده ؛ فمنها ما لا يعلم أصلاً ، ومنها ما يعلم جملةً ولا يعلم تفصيلاً ـ وهذا منه ـ ومنها ما يعلم جملةً وتفصيلاً لا سيّما فيما طريقه السمع وبيّنه الشارع . وقيل : مجموع خصال النبوّة سبعون، وإن لم نعلمها تفصيلاً ، ومنها الرؤيا ، والمنام الصادق من المؤمن خصلة واحدة لها هذه النسبة مع تلك الخصال . ويحتمل أن يكون المراد أنّ ثمرة رؤيا المؤمن ـ أعني الإخبار بالغيب ـ في جنب فوائدها المقصودة يسيرة نسبتها إلى ما أطلعه اللّه تعالى على نبيّه من فوائدها بذلك القدر؛ لأنّه يعلم من فوائد مناماتِهِ بنور نبوّته ما لا نعلمه من حقائق مناماتنا، وأن يكون المراد أنّ دلالة رؤيا المؤمن على الإخبار بالغيب جزء من دلالة رؤيا النبيّ ، والنسبة بذلك القدر ؛ لأنّ المنامات إنّما هي دلالات، والدلالات منها خفيّ ومنها جليّ، والخفيّ له نسبة مخصوصة مع الجليّ في نفس الأمر، فبيّنها عليه السلام بأنّها بذلك القدر . والفرق بين هذين التوجيهين: أنّ الأوّل منهما باعتبار التفاوت في الثمرات، والثاني باعتبار التفاوت في الدلالات . والمراد بأجزاء النبوّة فيهما أجزاء رؤيا النبيّ، وليس المراد بها جميع أجزاء النبوّة . وهذا وإن كان بعيدا بحسب اللفظ، لكنّه غير مستبعد بحسب الواقع ؛ إذ الظاهر أنّ خصال النبوّة غير منحصرة في السبعين . ومن طريق العامّة أيضا: «أنّ رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من أجزاء النبوّة» . [٢]
[١] في الحاشية: «قال الجوهري: صلصلة اللجام: صوته. وقال: الجرس: ما يعلّق [في عنق] البعير، والذي يضرب به أيضا. منه». اُنظر : الصحاح ، ج ٥ ، ص ١٧٤٥ (صلصل) ؛ و ج ٣ ، ص ٩١٢ (جرس).[٢] كتاب الموطّأ لمالك ، ج ٢ ، ص ٩٥٦ ؛ مسند أحمد ، ج ٢ ، ص ٢٣٣ و ٢٦٩ و ٤٣٨ و ٥٠٧ و ... ؛ سنن الدارمي ، ج ٢ ، ص ١٢٣ ؛ صحيح البخاري ، ج ٨ ، ص ٦٨ ؛ صحيح مسلم ، ج ٧ ، ص ٥٢ ؛ سنن ابن ماجة ، ج ٢ ، ص ١٢٨٢ ، ح ٣٨٩٣ و ٣٨٩٤ .