البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٩٤
ثمّ إنّه لابدّ هنا من شيئين : أحدهما : بيان السبب؛ لكون رؤيا المؤمن جزءا من أجزاء النبوّة . وثانيهما : بيان السبب لهذه النسبة المخصوصة ؛ أعني كونها جزءا من سبعين جزءا . أمّا الأوّل، فنقول: الرؤيا الصادقة من المؤمن الصالح جزءٌ من أجزاء النبوّة؛ لما فيها من الإعلام الذي هو على معنى النبوّة على أحد الوجهين . وقد قال كثير من الأفاضل : إنّ للرؤيا الصادقة مَلكا وكّل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له، أو يقدر عليه من خير أو شرّ، وهذا معنى النبوّة ؛ لأنّ لفظ «النبيّ» قد يكون فعيلاً بمعنى مفعول ؛ أي يُعلمه اللّه ، ويُطلِعه في منامه من غيبه ما لا يُظهِر عليه أحد إلّا من ارتضى من رسول . وقد يكون بمعنى فاعل؛ أي يُعلِم غيرَه بما اُلقي إليه ، وهذا أيضا صورة صاحب الرؤيا . وقال القرطبي : «الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوّة إلّا إذا وقعت من مسلم صالح صادق؛ لأنّه الذي يناسب حاله حال النبيّ، وكفى بالرؤيا شوقا أنّها نوع ممّا أكرمت به الأنبياء، وهو الاطّلاع على شيء من علم الغيب، كما قال صلى الله عليه و آله : «لم يبق من مبشّرات النبوّة إلّا الرؤيا الصادقة يراها الرجل المسلم» [١] ، وأمّا الكافر والكاذب والمخلّط، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان؛ فإنّها لا تكون من الوحي، ولا من النبوّة؛ إذ ليس كلّ من صدق في حديث عن غيب يكون خبره نبوّة بدليل الكاهن والمنجّم؛ فإنّ أحدهم قد يحدّث ويصدق، لكن على الندرة ، وكذلك الكافر قد تصدق رؤياه كرؤيا العزيز سبع بقرات، ورؤيا الفتيان في السجن، ورؤيا العاتكة عمّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهي كافرة ، ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلّطة الفاسدة . وأمّا الثاني، فقيل : يحتمل أن تكون هذه التجزئة من طرق الوحي، منه ما سمع بواسطة الملك، ومنه ما يلقى في القلب، كما قال اللّه تعالى : «إِنْ هُوَ إِلَا وَحْىٌ يُوحَى» [٢] ؛ أي إلهام ، ومنه ما يأتي به الملك وهو على صورته ، ومنه ما يأتيه [به ]وهو على صورة آدميّ ، ومنه ما يأتيه في منامه بحقيقته ، ومنه ما يأتيه بمثال أحيانا
[١] مسند أحمد ، ج ١ ، ص ٢١٩ ؛ سنن الدارمي ، ج ١ ، ص ٣٠٤ ؛ صحيح مسلم ، ج ٢ ، ص ٤٨ ؛ سنن ابن ماجة ، ج ٢ ، ص ١٢٨٣ ، ح ٣٨٩٩ ؛ سنن أبي داود ، ج ١ ، ص ٢٠١ ، ح ٨٧٦ .[٢] النجم (٥٣) : ٤ .