البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٩٩
وتوصيفا بالصفاء؛ لبيان خلوصها عمّا يلزم تلك المرّة غالبا من الأخلاق الذميمة والتخيّلات الفاسدة . [١] وقيل : يمكن أن يُراد بها الخلط الأسود الصافي . وقال: إنّه أصلح وأنفع بحال الإنسان في حدّة الطبع ودقّة النظر، وأن يكون كناية عن القوّة الغضبيّة الصافية عن رذيلتي الإفراط والتفريط ، ويعبّر عنه بالشجاعة . [٢] وقوله : (حتّى يقرّ له بالبَداء) . قال الجوهري في باب الناقص : «بدا له في هذا الأمر بداء ـ ممدود ـ أي نشأ له فيه رأي» . [٣] وأقول : هذا بحسب اللغة، ومتى نسب البداء إلى المخلوق اُريد هذا المعنى ، وإذا نسب إلى الخالق اُريد لازمه، وغايته المترتّبة عليه، كما في سائر صفاته تعالى . وتحقيق القول فيه: أنّ الاُمور كلّها ـ عامّها وخاصّها، ومطلقها ومقيّدها، ومنسوخها وناسخها، مفرداتها ومركّباتها، إخباراتها وإنشآءاتها ـ بحيث لا يشذّ عنها شيء منتقشة في اللوح، والفائض منه على الملائكة والأنبياء قد يكون الأمر العامّ أو المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة البالغة من الفيضان في ذلك الوقت، ويتأخّر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه ، ويعبّر عن كلّ هذا اللوح بكتاب المحو والإثبات . والبداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب من إثبات ما لم يكن مثبتا، ومحو ما اُثبت فيه . وما قيل من أنّه عبارة عن إيجاد الأشياء كلًا في وقته بتقدير وتدبير وإرادة حادثة لمصلحة لا يعلمها إلّا هو [٤] ، فبعيد عن التحقيق، وعمّا يفهم من فحاوي الأخبار . وبالجملة : الإقرار بالبداء إقرار بأصول الإيمان وأركانه من الإقرار بما في كتاب اللّه وتصديقه وتصديق أنبيائه ورسله وحججه فيما أخبروا به من غير ما أمروا بتبليغه من الشرائع، إن خصّص البداء بما دون النسخ في الأوامر والنواهي، وفيما جاؤوا به مطلقا إن عمّم . وفيه أيضا ردّ على اليهود حيث قالوا : إنّ اللّه تعالى فرغ من الأمر بحيث لا يريد، ولا يقدّر، ولا يدبّر بعده شيئا .
[١] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٦ ، ص ٣١ .[٢] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ١٨٣ .[٣] الصحاح ، ج ٦ ، ص ٢٢٧٨ (بدا) .[٤] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ١٨٣ .