البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٣٣
وهذا إشارة إلى قوله تعالى في مواضع من الكتاب الكريم؛ منها قوله جلّ طَوله : «وَالْجِبَالَ أَوْتَادا» [١] ، ومنها قوله : «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» [٢] . قال المبرّد : «أي منع الأرض أن تميد» . وقيل : أي لئلّا تميد . وقيل : كراهة أن تميد . [٣] وقال بعض المفسّرين : الميد: الاضطراب بالذهاب في الجهات الثلاث . وقيل : إنّ الأرض كانت تميد وتضطرب، وترجُف رجوفَ السقف بالوطئ، فثقّلها اللّه بالجبال الرواسي؛ ليمتنع من رجوفها . وروت العامّة عن ابن عبّاس أنّه قال : «إنّ الأرض بسطت على الماء، فكانت تكفأ بأهلها، كما تكفأ السفينة، فأرساها اللّه تعالى بالجبال» . [٤] وقال بعض المحقّقين : المراد بالأرض قطعاتها وبقاعها، لا مجموع كرة الأرض . ويكون الجبال أوتادا لها أنّها حافظة لها عن الميدان والاضطراب بالزلزلة ونحوها ، إمّا لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن اللّه تعالى ، أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها ومُنشئها . وأيّده بما روي في الأخبار: «أنّ ذا القرنين لمّا انتهى إلى السدّ، جاوزه، فدخل الظلمات، فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع. فقال له ذو القرنين : مَن أنت؟ قال : أنا ملك من ملائكة الرحمن، موكّل بهذا الجبل، فليس من جبلٍ خلقه اللّه ـ عزّ وجلّ ـ إلّا وله عِرق إلى هذا الجبل، فإذا أراد اللّه ـ عزّ وجلّ ـ أن يزلزل مدينة، أوحى إليَّ، فزلزلتها» . [٥] وقوله : (فشمخت، واستطالت) . شمخ، كمنع: علا، وطال . وشمخ الرجل بأنفه: تكبّر . ولعلّ المعنى الأخير هنا أنسب، وإن اُريد الأوّلان فالعطف للتفسير، أو من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ فإنّ الفعل مع الطلب أقوى منه بلا طلب .
[١] النبأ (٧٨) : ٧ .[٢] النحل (١٦) : ١٥ .[٣] اُنظر : بحار الأنوار ، ج ٥٧ ، ص ١٠١ .[٤] اُنظر : مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٣٦٠ .[٥] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ، ج ٤ ، ص ٢٥٠ ؛ و ج ٥٧ ، ص ١٠٧ .