البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٠٥
وجعل النفس تابعة له في تلك [التجارة]؛ لأنّه يستعين بها وبقواها الباطنة والظاهرة التي هي بمنزلة الخدم لها في تلك التجارة، كما يستعين التاجر الدنيوي بشريكه، ثمّ يحاسبه اللّه تعالى لكونه الشريك الأعظم في مواقف القيامة التي هي موقف المعرفة وموقف الإيمان وموقف الرسالة وموقف الولاية، وموقف غيرها من الحقوق والطاعات . فوجب على العقل أن يحاسب النفس في أوان التجارة؛ ليأمن من خيانتها، ويجعلها مطمئنّة، ويسهّل له الحساب في مواقف القيامة، أو يتخلّص منه . وحقيقة تلك المحاسبة أن يضبط عليها أعمالها وحركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها، ولا يغفل عن مراقبتها، ويصرفها إلى الخيرات، ويزجرها عن المنهيّات، ويعاتبها، ويجاهدها، ويعاقبها؛ فإن رأى أنّها مالت إلى كسب معصية، أو ترك طاعة، يوبّخها بأنّ ذلك من الحمق والجهل باللّه وبأمر الآخرة، وبعقوباتها وخسرانها، ويجاهدها حتّى ترجع عنه إلى الخير، وهكذا يفعل بها في حال جميع الاكتسابات، حتّى تصير منقادة مطمئنّة، تصلح أن تخاطب ب «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً» [١] ، وقوله تعالى في سورة المعارج : «تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرا جَمِيلاً» [٢] . [٣] وفي بعض نسخ الكتاب: «خمسين ألف سنة ممّا تعدّون» . ولعلّه كان في مصحفهم عليهم السلام كذلك، أو بيان للمدّة، أو اشتباه من الرواة، أو النسّاخ . قال البيضاوي : الآية استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج، وبعد مداها على التمثيل والتخييل ، والمعنى أنّها بحيث لو قدّر قطعها في زمان، لكان في زمان يُقدّر بخمسين ألف سنة من سني الدُّنيا . وقيل : معناه تعرج الملائكة والروح إلى عرشه في يوم كان مقداره كمقدار خمسين ألف سنة من حيث إنّهم يقطعون فيه ما يقطع الإنسان فيها، لو فرض لا أنّ ما بين أسفل العالم وأعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة؛ لأنّ ما بين مركز
[١] الفجر (٨٩) : ٢٧ و ٢٨ .[٢] المعارج (٧٠) : ٤ .[٣] القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ١٣٦ و ١٣٧ .