البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٣٦٢
وقيل : مراقبته تعالى محافظة القلب له، ومراعاته في السرّ والعلانية، وهي ثمرة العلم بأنّه تعالى مطّلع على الضمائر والسرائر ، وهذا العلم إذا استقرّ في القلب يجذبه إلى مراعاته في جميع الأهوال، وثمرته التعظيم والإجلال، واشتغال القلب بملاحظة الكبرياء والجلال، وصرف الظواهر إلى الأعمال الصالحة . [١] وقوله : (أهبطتك) أي أنزلتك بإهباط أبيك، أو بإهباط روحك . والغرض من أمثال تلك الفقرات التنبيه على نفاذ أمره تعالى، وإمضاء حكمه، وتثبيت كلماته . وقوله : (لا يصلح لسانان في فَمٍ واحد) . نهاه عن كونه ذا اللسانين بأن يقول عند حضور أحد ما يخالف قوله عند غيبته، أو يمدحه شاهدا ويُعيبه غائبا ، أو يمزج الحقّ من القول بالباطل منه ، أو ما شابه ذلك . (ولا قلبان في صدرٍ واحد) ؛ بأن يكون فيه رغبة إلى الحقّ وإلى الباطل معا ، أو يميل إلى المؤمن والكافر معا ، أو محبّة اللّه ومحبّة أعدائه ، أو محبّة المال والجاه وزخارف الدنيا وشهواتها ، ولا يتصوّر الجمع بين تلك الأضداد إلّا بأن يكون لشخصٍ قلبان، وهو محال . وهذا نظير قوله تعالى : «مَا جَعَلَ اللّه ُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» [٢] . قال البيضاوي : «أي ما جمع قلبين في جوف ؛ لأنّ القلب معدِن الروح الحيواني المتعلّق للنفس الإنساني أوّلاً، ومنبع القوى بأسرها، وذلك يمنع التعدّد» . [٣] (وكذلك الأذهان) . في القاموس : «الذِهن، بالكسر: الفهم، والعقل، وحفظ القلب، والفِطْنة ـ ويحرّك ـ والقوّة» . [٤] ويفهم من التشبيه أنّ ذكر اللسان والقلب كالتوطئة والتمهيد لذكر الأذهان ؛ أي كما لا يصلح تعدّد اللسان في فم واحد، ولا القلب في صدر واحد، كذلك لا يصلح أن يجتمع شيئان متضادّان وخيالان متبائنان في قلب واحد، بحيث يصيران منشأين لاُمور مختلفة متضادّة، كالتوجّه إلى إدراك الآخرة، وتحصيل أسباب النجاة فيها، والتوجّه إلى إدراك الدُّنيا،
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ١١٣ .[٢] الأحزاب (٣٣) : ٤ .[٣] تفسير البيضاوي ، ج ٤ ، ص ٣٦٢ .[٤] القاموس المحيط ، ج ٤ ، ص ٢٢٦ (ذهن) .