البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٣٣٦
(وتركها لأهلها) ؛ هم الراغبون إليها، المفتونون بزخارفها . (وصارت رغبته فيما عند إلهه) ؛ من المثوبات والكرامات ورفيع الدرجات . وقيل : أشار بقوله : «ودّع الأهل ...» إلى أعلى درجات الزهد، ورغبته في تحصيله حيث أمَره أوّلاً بوداع الأهل، والميل إلى سفر الآخرة، وتفويض حالهم إلى ربّهم؛ لأنّ الاشتغال باُمورهم مانع من هذا السفر . وثانيا : بقلي الدُّنيا وبغضها؛ لأنّ محبّتها أيضا مانعة . وثالثا : بتركها لأهلها الراغبين إليها ؛ لأنّ بغضها مع عدم تركها أيضا مانع . ورابعا : بالرغبة فيما عند اللّه من قربه وإحسانه. فإذا حصلت هذه المراتب لأحد دخل في مقام المحبّة، وهو ما دام في هذه الدار، لا يخلو عن فراقٍ مّا من المحبوب، وكان شأنه البكاء، فلذلك أمره ببكاء من كان على الوصف المذكور ، فلذلك قيل: العارفون المحبّون يبكون شوقا إلى المحبوب ، والمذنبون يبكون من خوف الذنوب . [١] وقوله : (كُن مع ذلك تُلين الكلام). [٢] الإلانة والتليين واحد، ومعناه : لا يكن زهدك سببا لنفرتك عن الخلق، وهجرتك منهم، وسوء الخلق معهم ، بل كُن مع الزهد خليقا مع كلّ أحدٍ . (وتُفشي السلام) إلى كلّ مَن تلقاه إلّا ما استثني . يُقال : فشا خبره، إذا انتشر. وأفشاه، أي نشره . وقوله : (يقظانَ) بالنصب، خبر آخر لقوله : «كُن» ، وهو غير منصرف للوصفيّة ، والألف والنون المزيدتين، ووجود فَعلى في مؤنّثه كما ستعرفه. وترك العطف في الأخبار المتعدّدة جائز مع رعاية عدم التناسب، وعدم قصد الاشتراك في الإعراب . في القاموس: «اليقظة، محرّكة: نقيض النوم. وقد يَقُظ ـ ككرم وفرح ـ يقاظة ويَقظا،
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ٩٩ .[٢] في الحاشية: «احتمال كون تلين وتفشي على صيغة المصدر المضاف إلى الفاعل من باب التفعّل بعيد غاية البُعد، مع عدم استقامته إلّا بتكلّف . فتأمّل» .