البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٧٤
حيارى فيما يتوسّلون به إليه من الأعمال والأديان، فمنهم مصيب برشده، ومنهم مخطئ بغيّه ، فكلّ منهم يطلبونه، لكن كثيرا منهم أخطؤوا السبيل، وضلّوا عن قصد الطريق، فهم يسعون على خلاف جهة الحقّ عامهين، ويتوسّلون بما يبعدهم عن المراد جاهلين . [١] وقيل : الظاهر أنّ الباء في قوله: «بعظمته» في المواضع الثلاثة للسببيّة؛ إذ الإبصار والمعاداة والابتغاء وقعت بسبب العظمة والنور . بيان ذلك أنّ عظمته المطلقة وكبرياءه يقتضي معرفة جميع ما سواه إيّاه، وانقيادهم [له ]في أوامره ونواهيه، وابتهالهم في ذلّ الحاجة إليه ، ولا يتحقّق ذلك إلّا بوضع علم بجميع ما يحتاجون إليه في صدرِ رسولٍ ومن ينوب منابه ، وهذا العلم يسمّى تارةً بالنور؛ لاهتداء الخلق به ، وتارةً بالعرش؛ لاستقرار العظمة وجميع الخلق فيه ، فبسبب نوره وعظمته المقتضية له أبصر قلوب المؤمنين سبل الحقّ وطرق الخيرات وكيفيّة سلوكها . «وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون» بإنكاره ، أو إنكار رسوله ، أو إنكار وليّه ووصيّ رسوله، حتّى توقّفوا، وتحيّروا في سبيله الحقّ . فلو لم يكن العظمة والنور، لم يتصوّر الإبصار، ولم يتحقّق المعاداة والابتغاء ، وكذلك بنوره وعظمته ابتغى الخلق كلّهم الوسيلة والتقرّب إليه بالأعمال المختلفة والأديان المتضادّة، حيث علموا أنّه مستحقّ للتقرّب به، فمنهم من اقتفى نوره، واتّخذ دينه الحقّ ، ومنهم من مزجه بظلمة الجهل، وحصلت له شبهة، واتّخذ دينا باطلاً، فظنّ أنّه وسيلة التقرّب به، كما فرّع على ذلك قوله : (فمُصيب) [٢] ؛ يعني فمنهم من أصاب وأتى بالصواب في القصد والعمل . (ومخطئ) أي ومنهم من أخطأ فيهما . (وضالّ) في اُمور الدِّين . (ومهتدٍ) فيها . (وسميع) يسمع نداء الحقّ، وآياته الجاذبة إليه .
[١] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٢٩٦ .[٢] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١٢ ، ص ٧٢ .