البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٢٤
فَغَوى» [١] بناءً على أنّ المتّصف بهما هو الذي ارتكب كبيرة من الذنوب، أو صغيرة منها، بدليل قوله تعالى : «وَمَنْ يَعْصِ اللّه َ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ» [٢] ، وقوله : «إِلَا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ» [٣] ؛ فإنّ متابعة إبليس كبيرة، أو صغيرة ، ووجه عدم المنافاة أنّ حصر العصيان والغواية في الكبيرة والصغيرة ممنوع؛ إذ كما أنّهما يتحقّقان بفعل القبيح والحرام، كذلك يتحقّقان بترك الأولى والمندوب . وأمّا العصيان والغواية في الآية فإنّما يراد بهما ما حصل بفعل محرّم ؛ ألا ترى أنّك إذا قلت لرجل على سبيل التنزيه : لا تفعل كذا؛ فإنّ الخير في خلافه ، ففعله ، صحّ لك أن تقول : عصاني، وخالفني، فغوى؛ أي خاب عن ذلك الخير . أو يُراد أنّه ضلّ عن مطلوبه بناءً على ما قيل من أنّه عليه السلام طلب الخلد بأكلها ، أو عن المأمور به، أو عن الرشد حيث اغترّ بقول العدوّ . وتفصيل المقام ما أفاده بعض الأفاضل الكرام حيث قال : اعلم أنّ أقوى شبهة المخطئين للأنبياء الظواهر الدالّة على عصيان آدم عليه السلام ، وحملوها على ظواهرها بناءً على أصلهم من عدم وجوب عصمة الأنبياء ، وضبط القول في ذلك أنّ الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : ما يقع في باب العقائد . وثانيها : ما يقع في التبليغ . وثالثها : ما يقع في الأحكام والفتيا . ورابعها : في أفعالهم وسيرهم . أمّا الكفر والضلال في الاعتقاد، فقد أجمعت الاُمّة على عصمتهم عنها قبل النبوّة وبعدها ، غير أنّ الأزارقة من الخوارج جوّزوا عليهم الذنب، وكلّ ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، بل يحكى عنهم أنّهم قالوا: يجوز أن يبعث اللّه نبيّا علم أنّه يكفر بعد نبوّته . وأمّا النوع الثاني ـ وهو ما يتعلّق بالتبليغ ـ فقد اتّفقت الاُمّة، بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلّق [بالتبليغ ]عمدا
[١] طه (٢٠) : ١٢١ .[٢] الجنّ (٧٢) : ٢٣ .[٣] الحجر (١٥): ٤٢ .