البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١٣٢
وأنّه لا مثل له ولا نظير له . وقد يُقال للملِك، كما قال إخوة يوسف: «يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ» [١] أي يا أيّها الملك» . [٢] (ولا أحد كان قبل عزّه) أي لم يكن قبل عزّته أحد يكون عزّته به، فلو كان أوّل ما خلقه من أصلٍ قديم لم يزل معه تعالى، فإن كان ذلك الأصل منه لزم أن يكون معه شيء في الأزل، وإن كان من غيره لزم أن يكون قبل عزّه أحدٌ أعزُّ منه، وهو سبحانه يتبع أثره. وكلاهما باطل ، واستدلّ عليه بقوله : (وذلك قوله : «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» ) [٣] ؛ إذ يدلّ ذلك على أنّه تعالى سبب كلّ عزّة، فلو كان عزّته بغيره كان ذلك الغير ربّ العزّة . ووجه الدلالة أنّ إضافة الربّ إلى العزّة المطلقة تفيد اختصاصها به ـ كما هو شأن الإضافة ـ وتنزيهُهُ عن كلّ وصف لا يليق به يفيد ثبوتَ كلِّ كمالٍ له، وسلبَ كلّ نقصٍ عنه سبحانه . وكلّ منهما يستلزم انفراده في القدم والعزّة المطلقة . وفي كتاب التوحيد للصدوق رحمه الله : «وكان عزيزا ولا عِزّ ؛ لأنّه كان قبل عِزّه، وذلك قوله» إلى آخره . [٤] قيل : لعلّ المراد حينئذٍ أنّه كان غالبا وعزيزا قبل أن يظهر عزّه وغلبته على الأشياء بخلقها، ولذا قال: «ربّ العزّة»؛ إذ فعليّة العزّة وظهورها مُسبَّب عنه تعالى . انتهى . [٥] والأظهر أن يُقال: معناه أنّه تعالى كان عزيزا بالعزّة الذاتيّة الحقيقيّة المطلقة، ولا عزّ بالإضافة إلى الغير؛ لأنّه سبحانه كان قبل عزّه الإضافيّة؛ [٦] فإنّ تحقّق هذا العزّ إنّما هو بعد وجود الأشياء واعتبارها . ثمّ أشار عليه السلام إلى كبرى الدليل بقوله : (وكان الخالق قبل المخلوق) ؛ وصورة الاستدلال: أنّه تعالى خلق كلّ عزّة مقدّمة على وجود ذي العزّة الذي هو المخلوق ، والخالق يجب وجوده قبل المخلوق، فيجب وجوده تعالى قبل كان مخلوقا لا قبليّة مكانيّة فقط ، بل قبليّة زمانيّة متوهّمة أيضا، وإلّا لزمت مشاركة الغير معه في القدم، فلا يتصوّر حينئذٍ معنى الإيجاد
[١] يوسف (١٢) : ٧٨ و ٨٨ .[٢] عدّة الداعي ، ص ٣٠٥ (مع التلخيص) .[٣] الصافّات (٣٧) : ١٨٠ .[٤] التوحيد ، ص ٦٦ ، ح ٢٠ .[٥] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٢٢٦ .[٦] كذا. والصحيح: «عزّته الإضافيّته، أو عزّه الإضافي».