بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣١٨ - ولا يبعد أن يكون حفو الشعر وإحفاؤه مأخوذاً من هذا المعنى ـ كما نصّ عليه الراغب أيضاً
النساء: ((لا تنهكي أي لا تستأصلي) [١] وأما الجزّ فهو يساوق الحلق أي قطع الشعر بحيث يبلغ الجلد [٢] .
والجواب عن الوجه الأول: إن ما لا ينسجم من كلمات اللغويين مع تفسير الإحفاء بتخفيف الشارب ولو بحدّ يبدو معه إطار الشفة العليا هو كلام من فسّره بالاستئصال أو بالمبالغة في الأخذ منه، والأول ضعيف جداً، فإن الاستئصال يعني قطع الشيء من أصله [٣] فهو في الشعر لا يتمّ إلاّ بالنتف ونحوه، والإحفاء يعني إبقاء شيء من الشعر وإن كان قليلاً.
وأما الثاني فهو مبني على أن يكون إحفاء الشارب مأخوذاً من الاستقصاء ـ الأصل الثاني المذكور في كلام ابن فارس ـ وهو غير مناسب بل المناسب ما ذكره الراغب من كون الأصل فيه الحفو بمعنى انسحاج الخف والحافر كما مرّ.
وأما قول أبي عُبيد وأمثاله: (الإحفاء أن يلزق جزّه بالبشرة أو بالشفة) فلم يظهر أنهم أرادوا به قصّ كلّ شعرة من الشارب قريباً من منبتها، بل لعلّهم أرادوا به قصّه بحيث يبرز الإطار في مقابل قصّه مما دون ذلك بحيث يبقى منه ما يغطّي الشفة العليا أو كلتا الشفتين كما يصنعه البعض فتأمل.
والجواب عن الوجه الثاني: إن المحكي عن الصحابة والتابعين في قصّ الشارب وإحفائه مختلف جداً، فالمنقول عن جمعٍ منهم ما مرّ وروي عن جمعٍ آخر منهم خلاف ذلك:
فروى البيهقي بإسناده عن شرحبيل بن مسلم قال: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله ٦ يقصّون شواربهم ويعفون لحاهم ويصفّرونها: أبو
[١] الكافي ج٥ ص١١٨.
[٢] فتح الباري ج١٠ ص٢٩٣.
[٣] المحكم ج٨ ص٣٥٢.