بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٧٩ - هل يوجد أصل لفظي ينفي اشتراط كون آلة الذبح من الحديد؟
بالمذكّى، وقد ترسّخ هذا الاستعمال وأصبحت التذكية حقيقة متشرعيّة في هذا المعنى الجديد في العصور المتأخرة، ويبدو ذلك واضحاً من خلال ملاحظة موارد استعمال الكلمة ومشتقّاتها في الروايات المروية عن الصادقين : [١] حيث يطلق فيها المذكّى في مقابل الميتة التي حصل توسّع في معناها أيضاً فإنها كانت في الأصل تُطلق على الحيوان الذي مات حتف أنفه(أ) ثم صارت تُطلق على كلّ حيوان زُهقت روحه بغير التذكية الشرعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أ) ذُكر في المعنى اللغوي للميتة وجهان:
(الأول) : أنها الحيوان الذي مات حتف أنفه أي بدون فعل فاعل، وحسب تعبير الفخر الرازي الميّت من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حياً من دون نقض بنية ولذلك فرّقوا بين المقتول والميت.
(الثاني) : أنها الحيوان الذي زالت روحه بغير تذكية، وهذا مذكور في كلمات جمع منهم الخليل حيث قال: (الميتة في البَرّ والبحر ما لا تدرك ذكاته) وقال ابن عباد في المحيط: (الميتة ما لم تدرك ذكاته) وقال ابن فارس: (الميتة ما مات مما يؤكل لحمه إذا ذكّى) وقال الجوهري: (الميتة ما لم تلحقه الذكاة) وقال الراغب: (الميتة من الحيوان زالت روحه بغير تذكية) وقال القرطبي: (الميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة ما يُذبح [٢] ) .
وقد استشهد بعض من تبنى الوجه الأول ـ كالسيد الأُستاذ قدس سره في كتاب الصلاة [٣] ـ بمقابلة الميتة مع المنخنقة والموقوذة والمتردّية في الآية الكريمة؛ مع أن هذه من مصاديق الميتة على الوجه الثاني، وربّما يُستفاد ذلك من كلام الفخر الرازي أيضاً فإنه بعد أن فسّر الميتة شرعاً بما يعمّ الأصناف المذكورة قال: (فإن قيل: كيف يصحّ ذلك وقد قال الله تعالى في سورة المائدة... فدل على أن غير المذكّى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك؟ قلنا: لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه) [٤] .
ولكن ربما يوجّه عطف المنخنقة والموقوذة إلى آخر المذكورات في الآية الكريمة على الميتة بأنه من قبيل عطف الخاص على العام بالنظر إلى أن العرب كانت تعاف أكل الميتة إلا أن بعضهم كان لا يعاف منها إلا ما جُهل سبب موته، وأما ما عرف كالمنخنقة والموقوذة... الخ فلم يكونوا يعافونه فاقتضى ذلك التنصيص على حرمة المذكورات، فلا دلالة فيه على عدم صدق الميتة على المنخنقة وأخواتها [٥] .
ولكن هذا التوجيه ربما لا ينسجم مع ما رواه الطبري بإسناده عن السدي من أن ناساً من العرب كانوا يأكلون ما ذُكر في الآية الكريمة ولا يعدّونه ميتاً إنما يعدّون الميت الذي يموت من الوجع [٦] .
فإن ظاهر هذا النص أن المنخنقة والموقوذة وأخواتهما لم تكن تُعدّ من الميتة ولا أقل في عرف بعض العرب فلا وجه للقول بأن عطفها على الميتة إنما هو من قبيل عطف الخاص على العام.
هذا مضافاً إلى أن الوجه الثاني المذكور في تفسير الميتة يوشك أن يكون فيه خلط بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي ولا سيّما في مثل تعريف الخليل الذي عرّف الميتة بما لا تُدرك ذكاته وفسّر التذكية بمعناها الشرعي كما تقدّم، وكذلك ابن فارس الذي جعل حليّة الأكل من القيود المأخوذة في المعنى، وقال النووي: قال أهل اللغة والفقهاء: (الميتة ما فارقته الروح بغير ذكاة) [٧] فيلاحظ أنه نسب هذا المعنى إلى أهل اللغة والفقهاء معاً، وقد تقدّم أن أصل كون الذكاة بمعنى الذبح في اللغة العربية ليس أمراً واضحاً ولا يمكن الاعتماد كثيراً على تفاسير اللغويين فإنهم لا يميّزون في الغالب بين المعاني الأصليّة والمعاني المستجدّة بعد الإسلام.
[١] لاحظ الوسائل ج١٢ ص٦٨ ح٢ , ج ١٦ ص٣٧٠ ح٢ , وص٢٩٨ ح٤.
[٢] لاحظ ترتيب العين ج٣ ص١٧٥ والمحيط ج٦ ص٤٧٩ ومقاييس اللغة ج٥ ص٢٨٣ والصحاح ج١ ص٢٦٧ والمفردات ص٤٩٧ والجامع لأحكام القرآن ج٢ ص٢١٧.
[٣] مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة ج١ ق٢ ص١١١.
[٤] تفسير الفخر الرازي ج٢ ص٨٦.
[٥] تفسير المنار ج٦ ص١٤١.
[٦] تفسير الطبري ج٦ ص٤٨.
[٧] تاج العروس ج١ ص٥٨٧.