بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٧٨ - هل يوجد أصل لفظي ينفي اشتراط كون آلة الذبح من الحديد؟
ثانية كما في المتردّي في البئر ونحوها، ولكن هذا غير ما ذكره اللغويون من أن التذكية بمعنى الذبح وما بحكمه كما هو واضح.
نعم لا يُستبعد استعمالها بهذا المعنى بعد ذلك، وربّما حتى في عصر النبي ٦ [١] وإن لم أجد على ذلك شواهد واضحة، فإن مثل قوله في خبر الخشني المتقدم: ((ذكي وغير ذكي)) وقول بعض الصحابة في السؤال عن حكم البعير المتردّي في البئر: (يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟) الذي أجاب عنه ٦ بقوله: ((لو طعنت في فخذها لأجزأك)) لا يأبى الحمل على المعنى الأصلي أي إتمام أمر الحيوان، نعم قوله: ((ذكاة الجنين ذكاة أُمّه)) وقوله ٦ : ((إن أخذ الكلب ذكاة)) مبني على ضربٍ من التنزيل ولكنّه لا ينافي ما تقدّم.
وكيف كان فالظاهر أن التذكية سواء كانت بمعنى إتمام أمر الحيوان المصاب بعارض يؤدّي إلى موته لو ترك على حاله أم بمعنى الذبح ونحوه لمّا كانت سبباً في حليّة لحم الحيوان فقد حدث لاحقاً توسّع في استخدامها، فصار كلّ ما يتسبّب في حليّة لحم الحيوان من عوامل زهاق روحه يسمّى بالتذكية ويُعبّر عمّا يحلّ أكله من الحيوان الذي خرجت روحه
[١] ربما يقال أن هذا لا ينسجم مع ما اتفق عليه الفريقان من أن الآية الكريمة المشتملة على قوله: ((إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ)) قد نزلت في حجّة الوداع أي في الشهور الأخيرة من حياة النبي الأعظم ٦ ، ولكن يمكن الجواب عنه بأن القدر الثابت هو أن مقطعاً من تلك الآية المباركة وهو قوله: ((اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)) قد نزل في حجّة الوداع إما في يوم عرفة كما قال به كثير من الجمهور أو في يوم الغدير كما هو رأي الإمامية، وأما المقطع الأول والأخير من الآية فلم يثبت نزوله في حجّة الوداع (لاحظ الميزان ج٥ ص١٦٧) ، أما كون سورة المائدة بأسرها من آخر ما نزل من القرآن فهو لا ينافي ما ذُكر، مضافاً إلى أن مضمون تلك الآية الكريمة المشتمل على تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة وغيرها من مأكولات العرب في الجاهلية لا يناسب أن يكون من أواخر ما نزل على النبي ٦ من القرآن فلاحظ.