بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٥٥ - وبعد أن اتضح معنى الحديد والحديدة فلنرجع إلى شرح ما يبتني عليه الاتجاه الذي سلكه عامة الفقهاء في التعامل مع نصوص هذه المسألة، ويتمّ ذلك ببيان أمرين
التذكية هو المعدن المعروف وبالحديدة القطعة منه، ولا مجال لاحتمال كونهما بمعنى الحادّ والحادّة [١] .
(الأمر الثاني): أنه بناءً على ما تقدّم في معنى الحديد والحديدة يتعيّن التعامل مع نصوص المسألة على الوجه التالي:
أ ـ إن القسم الثاني منها الدال على وقوع الذكاة بمثل المروة والحجارة عند فقد الحديد أخصّ مطلقاً من القسم الأول الدالّ على عدم وقوع الذكاة بغير الحديد فيجب حمل المطلق على المقيّد على أساس ما ذُكر في علم الأُصول من أنه متى ما كان الحكم في جانب المطلق انحلالياً أي متعلّقاً بمطلق الوجود وكان دليل المقيّد مخالفاً له في الإيجاب والسلب فمقتضى الجمع العُرفي هو تقييد المطلق بالمقيّد فتكون نتيجته في مفروض
[١] تجدر الإشارة إلى أن أول من وجدته يحتمل أن يُراد بالحديد والحديدة في نصوص التذكية هو الحادّ والحادّة أحد فقهاء الزيدية وهو القاضي السياغي في شرح حديث عمرو بن خالد المتقدّم فإنه جاء فيه عن علي ٧ (أنه كره ذبيحة الظفر والسن والعظم وذبيحة القصبة إلا ما ذُكّي بحديدة) فقال تعليقاً على الجملة الأخيرة: (يُحتمل أن المراد منه الحديدة المعروفة فيدخل فيه السكّين والسيف والسنان وغير ذلك مما هو من جنس الحديد ويُحمل على الأفضل وليس بواجب... ويُحتمل أنه أراد به المحدّد الذي يُنهر به الدم من سيفٍ وسكّينٍ وحجرٍ وخشبٍ وزجاجٍ وقصبٍ وخزفٍ ونحاسٍ وغير ذلك) الروض النضير ج٣ ص١٦٦.
(أقول) ولكن هذا المعنى الثاني لا ينسجم مع ما ذكره بنفسه من أنّ قوله: (وذبيحة القصبة) ظاهره تحريم الذبح به والمراد به القصب الحادّ ويُسمّى الليطة (المصدر نفسه ص١٦٦) ، فإنه لو كان المقصود بالحديدة هو الشيء المحدّد فلماذا منع من الذبح بالقصبة وهو القصب الحادّ؟!.
فالصحيح تعيّن المعنى الأول وأما حمله على الأفضليّة فيبتني ـ كما يُستفاد من كلام القاضي السياغي ـ على الأخذ بإطلاق حديث ابن عمر المروي في مجمع الزوائد أن كعب بن مالك سأل رسول الله ٦ عن جارية ذبحت بليطة فقال: ((كله) ) (الروض النضير ج٣ ص١٦٥) ولكن تقدّم أن هذا الحديث يحكي قضية في واقعة وليس لها إطلاق لصورة فقد الحديد مع أنه غير ثابت بطريق معتبر شرعاً فلاحظ.