بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٥٠٣ - (مذهب الإمام مالك)
بل المرجّح عدوله عنه كما حكاه تلميذه ابن القاسم الذي صحبه عشرين سنة، ولهذا العدول ما يبرّره، فإن حديث سهل بن سعد قاصر الدلالة عن إثبات سنيّة التكفير، وحديث عبد الكريم ضعيف سنداً ودلالة معاً كما سيأتي، ويبدو أن مالكاً لم يكن متنبهاً إلى ضعفه حينذاك فأورده في الموطأ؛ ثم اعتذر عن ذلك لما تبيّن له أمره كما حكاه عنه أبو الفتح اليعمري [١] .
(الوجه الثاني) : ما يُستفاد من كلام القاضي عياض المتقدّم نقله وحاصله: أن ابن القاسم الذي هو الأصل فيما حُكي عن مالك من استحباب الإرسال قد أخطأ في فهم مرامه، فإنه نُسب إليه أنه قال: ((لا أعرف ذلك ـ أي الوضع ـ في الفريضة، ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به على نفسه. اهـ)) .
وهذا خطأ، فإن هنا أمرين: أحدهما الاعتماد بإحدى اليدين على الأُخرى وهو أمر مكروه لكراهة الاعتماد في الصلاة مطلقاً، نعم لا بأس به في النافلة لطول القيام، وثانيهما: وضع اليُمنى على الشمال تخضّعاً من غير اعتماد، وهذا هو الذي ذهب العلماء إلى استحبابه وابن القاسم خلط بين الأمرين فحكى عن مالك ما لم يذهب إليه.
أقول: الظاهر أن جملة (ولكن في النوافل...) في عبارة ابن القاسم بمنزلة الاستثناء المنقطع عمّا قبله، فحاصل العبارة إنكار استحباب الوضع بقصد التخضّع والتعظيم مطلقاً، والترخيص فيه بداعي الاعتماد في النوافل خاصّة، فما حكاه ابن القاسم عن مالك ليس تفصيلاً في المسألة حقيقة، بل هو قول بالمنع في الفريضة والنافلة جميعاً.
(الوجه الثالث) : ما ذكره صديق حسن خان قائلاً: إن معنى رواية الإرسال عنه ـ أي مالك ـ أن الخليفة المنصور ضربه فكسرت يده فلم
[١] ميزان الاعتدال ج٢ ص٦٤٧.