بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤٨٦ - الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين
وقد تسبّب ذلك في خلافات كبيرة لم تترك جانباً من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين إلاّ ولجته، حتى امتدت إلى أهم شعيرة من شعائر الإسلام وأقوى وشيجة من الوشائج بين المسلمين، وهي فريضة الصلاة المباركة فأصبح المسلمون ـ تبعاً لمذاهبهم الفقهيّة ـ مختلفين في أدائها من وجوه كثيرة بدءاً من مقدّماتها كالوقت والطهور والأذان والإقامة، ومروراً بأفعالها وأقوالها وهيئاتها؛ وانتهاءً إلى ما يتعقّبها من الآداب والمستحبّات.
ومن أبرز مظاهر الاختلاف بينهم فيها ظاهرة التكفير (التكتّف) التي تنتشر بين المسلمين السُنّة أتباع المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي، ويخالفهم في ذلك معظم المسلمين السنّة من أتباع المذهب المالكي، والمسلمون الشيعة أتباع المذهبين الاثنى عشري والزيدي.
وإذا كان الاختلاف بينهم في مشروعيّته واستحبابه في الصلاة قائماً منذ قرون متطاولة؛ ولا سبيل إلى فصله بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع؛ فالذي يفترض ـ والحال هذه ـ أن يتعامل أتباع المذاهب المتخالفة فيما بينهم وفق ما أوصت به الشريعة الغرّاء؛ من احترام الرأي المقابل والاجتناب عن التشنيع على أصحابه ومعتنقيه، على خلاف ما هو الواقع والمشاهد أحياناً.
حكى الأُستاذ محمد التيجاني السماوي قال: دخلت مسجد أبي حنيفة في القاهرة لأداء صلاة العصر جماعة، فما راعني بعد الصلاة إلا والرجل الذي كان قائماً بجانبي يقول لي في غضب: (لماذا لا تُكتّف يديك في الصلاة؟) فأجبته بأدب واحترام: إن المالكية يقولون بالسدل وأنا مالكي، فقال لي: (اذهب إلى مسجد مالك وصلّ هناك)، فخرجت مستاءً ناقماً على هذا التصرّف [١] .
ولو اقتصر الأمر على هذه الطبقة من السذّج لكنّا في فسحة من الأمر
[١] ثم اهتديت ص٢٨.