بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤١٦ - أما على المسلك الأول ـ وهو الذي تبنّاه السيد الأستاذ قدس سره
نعم قد يحتاط المرجع الأعلم في المسألة ويختلف سائر الفقهاء فيها، فبعضٌ يُفتي بالحرمة مثلاً والآخر بالجواز ولا يتيسّر للمكلّف استحصال الحجّة على كون بعضهم ـ ولو من غير تعيين ـ أعلم من البعض الآخر، فمقتضى الصناعة في مثله بعد تساقط الفتاوى بالمعارضة أن يجوز للمكلّف الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في المسألة وإن كان هو البراءة، وهذا ليس نادر الحدوث.
ولكن قد يُقال إنّ تساقط الحجج بالتعارض مع فقد الترجيح وإن كان هو مقتضى القاعدة فيها إلاّ أنه في خصوص باب الفتاوى قد ثبت عدم التساقط وكون المكلّف مخيّراً في العمل ببعضها، وعليه ففي موارد الاحتياط الوجوبي للمرجع الأعلم يلزمه عدم التخلّف عن رعاية الاحتياط إلاّ اعتماداً على فتوى من يقول بالجواز ولا يحقّ له الرجوع إلى مقتضى الأصل النافي للتكليف فتأمل.
(الوجه الثاني) : إن احتمال التكليف الإلزامي في مورد الاحتياط الوجوبي وإن كان من قبيل الاحتمال قبل الفحص، فتكون مخالفته نحواً من التجرّي على المولى وهو ظلم وحرام، إلاّ أنه لا دليل من جهة العقل أو النقل على كونه موجباً للعقاب: أما من جهة العقل فلما ذكره بعض الأعلام قدس سره من أن العقل لا يرى كون ظلم المولى والتمرّد عليه موجباً لاستحقاق العقاب الأخروي حتى في موارد العصيان فضلاً عن التجرّي، فإن حكم العقل بقبح الظلم إنما يستتبع حكمه باستحقاق العقاب في المورد الذي يترتّب فيه على العقاب فائدة صحيحة بنظر العقل كالتأديب لئلاّ يتكرر الظلم، وهذا ما لا مجال له في عالم الآخرة لانتهاء دور التكليف فيه، فالالتزام باستحقاق العبد من الله تعالى العقوبة على عدم أداء حق المولوية التزام بصدور اللغو منه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً.
هذا من جهة العقل، وأما من جهة النقل فلما حُقّق في محلّه من علم الأصول من عدم تماميّة ما استدلّ على حرمة التجرّي شرعاً فراجع.