بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٨٤
وفي هذا القسم يكون الحكم موقّتاً من البداية بزمن تلك الشريعة، فإذا جاءت شريعة أخرى فلا يُحتمل ثبوت ذلك الحكم بعينه ولو بإمضاء من النبي الجديد، بل لو فرض ذلك فمرجعه إلى ثبوت حكم مماثل لذلك الحكم.
نعم لو فُرض كون المجعول لنبيّ تلك الشريعة غير محدّد بزمنها يكون نفوذه على أتباع الشريعة اللاحقة منوطاً بإمضائه من قبل نبيّها، ولكن على هذا التقدير لا ينفع الاستصحاب إلاّ في إثبات سعة الجعل مع الشكّ فيه، وأما الإمضاء فيحتاج إلى مثبتٍ آخر وإلاّ فالأصل عدمه.
وبتعبيرٍ آخر: إن بقاء ذلك الحكم في الشريعة اللاحقة يتوقّف على أمرين: سعة جعله لزمان هذه الشريعة اللاحقة، وإمضاء هذا الجعل من قبل نبيّها، ومع الشكّ في الأمر الأول يمكن التمسّك بالاستصحاب لولا معارضته بالاستصحاب العدمي كما مرّ، وأما الأمر الثاني فلا دور للاستصحاب في إثباته بل مقتضاه عدمه، فالنزاع في أن الاستصحاب مُثبتٌ للإمضاء أو لا مما لا أساس له.
فتحصّل مما تقدم أن ما أشكل به المحقق النائيني قدس سره على استصحاب أحكام الشرائع السابقة غير تامٍّ.
(الوجه الرابع) : ما ذكره بعض الاعلام المعاصرين من أن المذكور في بعض الروايات المؤيد بالاعتبار أن المسلمين في بداية البعثة لم يكونوا مكلّفين بشيءٍ من الفروع وهو مستلزم لنسخ جميع أحكام الشرائع السابقة الإلزامية ونحوها من الأمور التعبّدية، فلا موضوع للاستصحاب المبحوث عنه.
ومن الروايات التي تُشير إلى المعنى المذكور حديثٌ طويل لمحمد بن سالم عن أبي جعفر ٧ وفيه: ((ثم بعث الله محمداً ٦ وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله إلاّ أدخله الله الجنة بإقراره.. وتصديق ذلك أن الله عزّ وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ