بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٥ - مستند الجمهور في جواز الذبح بغير الحديد اختياراً
(أقول): ويُضاف إلى ذلك أن دلالته باللفظ الثاني المذكور على جواز الذبح بمثل المروة وشقّ العصا اختياراً ليست بذاك الوضوح، بل إن له لفظاً ثالثاً غير ظاهر في ذلك أصلاً، وهو ما رواه أحمد بن حنبل بإسناده عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنّا نصيد الصيد فلا نجد سكّينا إلاّ الظرار وشقّة العصا فقال رسول الله ٦ : ((أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله)) [١] .
فإن قوله ٦ : ((أمر الدم بما شئت)) مخاطباً به السائل الذي فُرض أنه ممن يصيد الصيد ولا يجد السكّين لذبحه إن لم يكن ظاهراً في بيان حكمه في هذا الحال خاصة فلا أقل من احتفافه بما يصلح للقرينية المانع من انعقاد ظهورٍ له في الإطلاق ـ بالتقريب المتقدّم في الحديث الأول ـ فلا يُستفاد منه إذاً جواز الذبح بغير الحديد في حال الاختيار، وهذا بخلاف اللفظ الثاني للحديث فإنه قد يُستظهر منه أن قوله ٦ : ((أنهر الدم بما شئت)) بيان للضابطة الكلية للذبح المبيح للأكل مع الإعراض عن بيان حكم مورد السؤال بخصوصه، فلا ينثلم به ظهور الجواب في الإطلاق فتدبّر.
٣ ـ حديث ابن كعب بن مالك عن أبيه أن امرأة ذبحت شاةً بحجرٍ فسُئل النبي ٦ عن ذلك فأمر بأكلها.
استدلّ به القاساني وغيره [٢] .
ولكنّه صورة مختصرة لرواية أُخرى أوردها البخاري وغيره بإسنادهم عن ابن كعب بن مالك أن أباه أخبره أن جاريةً لهم كانت ترعى غَنماً بسلع فأبصرت بشاةٍ من غنمها موتاً فكسرت حجارةً فذبحتها، فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي فأسأله، أو حتّى أُرسل إليه من يسأله، فأتى النبي أو بعث إليه فأمر النبي بأكلها [٣] .
[١] مسند أحمد بن حنبل ج٤ ص٢٥٦.
[٢] بدايع الصنايع ج٦ ص٢٧٦٨.
[٣] صحيح البخاري ج٧ ص١١٩.