بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٣٥ - (الجهة الثالثة)
ولذلك نصّوا على أنه لا يجوز (زيد ضارب وعمرو) أي ضارب ويُراد بضارب المحذوف معنىً يخالف المذكور، بأن يُقدر أحدهما بمعنى السفر من قوله تعالى: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)) والآخر بمعنى الإيلام المعروف إلاّ مع إقامة القرينة على ذلك [١] .
وكما لا يجوز تخالف المحذوف للمذكور في المعنى بحسب المادة كذلك لا يجوز ذلك بحسب الهيئة من دون قرينة تقتضيه، فقوله: (اغتسل للجمعة وللجنابة) معناه اغتسل للجمعة واغتسل للجنابة، فلا يصحّ ـ من دون إقامة القرينة ـ أن يُراد بالمحذوف الوجوب وبالمذكور الاستحباب، بناءً على كون دلالة صيغة (إفعل) على الوجوب بالوضع لا بدلالة العقل بضمّ عدم الترخيص في الترك.
ويُلاحظ على ما أفاده في الجهة الثانية: بأن الصحيح وفاقاً لأكثر المحقّقين أن دلالة صيغة الأمر على الوجوب إنما هي بالوضع، فهي ظاهرة في الوجوب على حدّ ظهور سائر الألفاظ في المعاني الموضوعة لها، فإن المعنى الموضوع له صيغة (إفعل) وما يُضاهيها ليس هو مجرّد وضع الشيء على ذمّة المكلّف ـ كما اختاره السيد الأستاذ وفاقاً للمحقّق النائيني قدس سرهما ـ ليترتّب على ذلك أن استفادة الوجوب منها إنما هي بحكم العقل بضمّ عدم الترخيص في الترك، بل المعنى الموضوع له هو طلب الفعل المندمج فيه الوعيد على الترك، فهو ظاهر في هذا المعنى بعنصريه الشكلي وهو طلب الفعل، والمعنوي وهو الوعيد على الترك، في مقابل الاستحباب الذي هو طلب الفعل المندمج فيه الوعد عليه.
وعلى ذلك فكون أحد الطلبين الواردين في سياق واحد وجوبياً والآخر استحبابياً يستلزم التفكيك بينهما في المراد التفهيمي، بخلاف الحال على مسلك السيد الأستاذ قدس سره حيث أن المراد التفهيمي من صيغة
الأمر واحد دائماً وهو وضع الشيء على ذمّة المكلّف.
[١] لاحظ مغني اللبيب ص٦٠٦.