بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٢٩ - أقول اختلف فقهاء الفريقين في المقصود بـ (الإعفاء)
وقال ابن منظور: في الحديث أنه ٦ أمر بإعفاء اللحى هو أن يوفّر شعرها ويكثر ولا يقصّ كالشوارب من عفا الشيء إذا كثر وزاد [١] .
وقال السيد الشريف المرتضى: عفا القوم يعفون إذا كثروا وعفا الشعر وغيره إذا كثر [٢] .
ولكن حكى ابن حجر عن ابن دقيق العيد أن تفسير الإعفاء بالتكثير إنما هو من إقامة السبب مقام المسبب، لأن حقيقة الإعفاء الترك، وترك التعرض للَحية يستلزم تكثيرها [٣] .
ونظير ذلك ما ذكره ابن فارس قائلاً: (وقول القائل: ((عفا: درس وعفا: كثر وهو من الأضداد)) ليس بشيء، إنما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرك ولم يُتعهّد حتى خفي على مرّ الدهر فقد عفا، وإذا تُرك فلم يُقطع ولم يُجزّ ـ أي الشعر ونحوه ـ فقد عفا، والأصل فيه كلّه الترك كما ذكرناه) [٤] .
ويُلاحظ على ذلك بأن (عفا) وإن كان في الأصل بمعنى (ترك) إلاّ أن الظاهر أنه استعمل لاحقاً بمعنى (كثر) في قولهم: (عفا النبت والشعر) بعناية أن ما ينمو من النبت والشعر إذا تُرك ولم يُقصّ يكثر ويطول، ولا يصحّ أن يكون المقصود بـ (عفا) بمعناه اللازم ـ كما في المثال ـ هو الترك فإنه يُفسد المعنى كما هو واضح.
وعلى ذلك فالإعفاء في قوله ٦ : ((إعفوا اللحى)) ليس بمعنى: (اتركوا) ليُقال أنه يقتضي بإطلاقه ترك التعرّض للَحية مهما طالت وإن بلغت السرّة، بل هو بمعنى التوفير والتكثير غير المانع من الأخذ منها بما لا يُنافي كثرة الباقي منها [٥] .
[١] لسان العرب ج١٥ ص٧٥.
[٢] رسائل الشريف المرتضى ج٤ ص٦٠.
[٣] فتح الباري ج١٠ ص٢٩٧.
[٤] مقاييس اللغة ج٤ ص٥٨.
[٥] يجدر الإشارة إلى أن من ألفاظ الرواية في مرويات الجمهور: (أوفوا وأرخوا وأرجوا ووفّروا) قال في تحفة الأحوذي ج٨ ص٣٨ أن معناها كلّها ترك اللحية على حالها.
ولكن لم يظهر أن لهذه الألفاظ معاني مغايرة للإعفاء بمعنى التكثير، مضافاً إلى أن الظاهر أن أغلبها من قبيل النقل بالمعنى والأصل هو (الإعفاء) المذكور في معظم نصوص الفريقين.
قال الأستاذ محمود أبو ريّة (أضواء على السنّة النبوية ص١٠٠) : ربما اتفق أن يسمع الراوي الحديث من النبي ٦ أو من غيره فيتصوّر معناه في نفسه على غير الجهة التي أرادها وإذا عبّر عن ذلك المعنى الذي تصوّر في نفسه بألفاظ أُخرى كان قد حدّث بخلاف ما سمع من غير قصد منه إلى ذلك وذلك لأن الكلام الواحد قد يحتمل معنيين وثلاثة وقد يكون فيه اللفظة المشتركة التي تقع على الشيء وضدّه كقوله ٦ : ((قصّوا الشارب واعفوا اللحى) ) ففي مثل هذا يجوز أن يذهب النبي ٦ إلى المعنى الواحد ويذهب الراوي عنه إلى المعنى الآخر فإذا أدّى معنى ما سمع دون لفظه بعينه كان قد روى عنه ضدّ ما أراده غير عامد ولو أدى لفظه بعينه لأوشك أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الأول وقد علم ٦ أن هذا سيحدث بعده فقال محذراً من ذلك: ((نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فربّ مبلّغ أوعى من سامع) ) .