وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٦
جئنا بهذه التقدمة التاريخية الطويلة للإشارة إلى أنّ الاختلاف السياسي قد يؤدي إلى الاختلاف الفقهي ، بمعنى : إنّ الاتجاه الحاكم ـ نظرا لموقعيته الاجتماعية وظروفه السياسية ـ قد يصرّ على تطبيق مفردة خاصّة ونسبته إلى شخص لما يرى فيه من مصلحة . وهذا ليس بدعاً في التاريخ ـ لما قدمناه لك من شواهد كثيرة في هذه الدراسة ـ وقد كان في «نسبتي الخبر إلى ابن عباس والإمام علي» ما فيه الكفاية لأنّا قد وضّحنا هناك دور القرشيين وترجيحهم للرأي على النص ، ومخالفة نهج التعبد المحض معهم ، والآن مع بيان مفردة ثالثة في هذا السياق وهي تخالف الأنصار مع المهاجرين فقهاً وسياسةً .
ونحن بكلامنا هذا لا نريد أن نقول أنّ الأنصار كانوا جميعا من نهج التعبد المحض أو أنّهم لم يخالفوا الإمام عليّاً أو سنّة رسول الله قط .
وكذا لا نريد القول أنّ فقه القرشين يخالف النصوص الشرعية في جميع الأحيان ، بل الذي نريد قوله أنّ أمر الاجتهاد والرأي والذهاب إلى أحكام سياسية مصلحة هي أقرب إلى الفهم القرشي من الفهم الأنصاري . لكونهم هم الحكام فلابدّ من تطبيق رأيهم ، أمّا الأنصاري فليست له مصلحة أو هدف في هذا التغيير ، وإن كان من بينهم من يذهب إلى آراء مؤيّدة للحكام ومخالفة للنصوص اجتهاداً من عند نفسه أو تأثّراً بالمنهج الحاكم .
وقد نقلنا سابقاً نصوصاً دالة في تبني الاتجاه الحاكم لمذهب الشيخين وفقه عثمان فلا يستبعد بعد هذا أن يرجح الرأي الفقهي المنتزع من الرأي على الرأي الفقهي المأخوذ من النص . وخصوصا حينما عرفنا دور الأمويين والمروانيين في تحريف الأحكام وتأكيدهم على فقه عثمان .
كانت هذه إلمامة سريعة بالزاوية السياسية والتركيبة الاجتماعية ، والتي