تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٧٩٠ - الحكاية العشرون
لي حجرة بجنب حجرته و كنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته بالليل و النهار، و كان يجتمع إليه الناس في اوّل الليل إلى أن يذهب شطر منه في اكثر الليالي.
(١) فاتّفق انّه في بعض الليالي قعد على عادته، و الناس مجتمعون حوله، فرأيته كأنّه يكره الاجتماع و يحبّ الخلوة و يتكلّم مع كلّ واحد بكلام فيه اشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده، فتفرّق الناس و لم يبق غيري فأمرني بالخروج، فخرجت إلى حجرتي متفكّرا في حالته في تلك الليلة، فمنعني الرقاد فصبرت زمانا فخرجت متخفّيا لأتفقّد حاله فرأيت باب حجرته مغلقا.
فنظرت من شق الباب و إذا السراج بحاله و ليس فيه أحد، فدخلت الحجرة فعرفت من وضعها انّه ما نام في تلك الليلة، فخرجت حافيا متخفيا أطلب خبره و أقفو أثره، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبة العسكريين مغلقة، فتفقّدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثرا، فدخلت الصحن الأخير الذي فيه السرداب فرأيته مفتّح الأبواب.
(٢) فنزلت من الدرج حافيا متخفيا متأنّيا بحيث لا يسمع منّي حسّ و لا حركة، فسمعت همهة من صفّة [١] السرداب كأنّ أحدا يتكلّم مع الآخر و لم أميّز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها و كان دبيبي أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فاذا بالسيد قد نادى في مكانه هناك: يا سيد مرتضى ما تصنع؟ و لم خرجت من المنزل؟
فبقيت متحيّرا ساكتا كالخشب المسندة، فعزمت على الرجوع قبل الجواب، ثم قلت في نفسي كيف تخفى حالك على من عرفك من غير طريق الحواس، فأجبته معتذرا نادما و نزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفّة.
فرأيته وحده واقفا تجاه القبلة ليس لغيره هناك أثر، فعرفت انّه يناجي الغائب عن أبصار البشر عليه سلام اللّه الملك الأكبر ... [٢]
[١] الصفّة: الصفة من البنيان شبه البهو الواسع الطويل السّمك.
[٢] البحار، ج ٥٣، ص ٢٣٨، الحكاية الثالثة عشرة.