تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٦٩٤ - الفصل الأول في بيان ولادة الامام الحجة عليه السّلام و أحوال والدته الماجدة و ذكر بعض ألقابه و شمائله المباركة
جانبك زواريق السّبايا و ترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العبّاس و شرذمة من فتيان العرب فاذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا لابسة حريرين صفيقين [١] تمتنع من العرض و لمس المعترض و الانقياد لمن يحاول لمسها و تسمع صرخة روميّة من وراء ستر رقيق فاعلم انّها تقول: و اهتك ستراه.
(١) فيقول بعض المبتاعين: عليّ ثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول له بالعربية: لو برزت في زيّ سليمان بن داود و على شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فاشفق على مالك، فيقول النّخاس: فما الحيلة و لا بدّ من بيعك، فتقول الجارية: و ما العجلة و لا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه و إلى وفائه و امانته.
(٢) فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس و قل له: انّ معك كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة روميّة و خطّ روميّ و وصف فيه كرمه و وفاءه و نبله و سخاءه فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه فان مالت إليه و رضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.
(٣) قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السّلام في أمر الجارية، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا و قالت لعمر بن يزيد: بعني من صاحب هذا الكتاب و حلفت بالمحرّجة و المغلّظة [٢] انّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت اشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السّلام من الدّنانير فاستوفاه و تسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة و انصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولانا عليه السّلام من جيبها و هي تلثمه و تطبّقه على جفنها و تضعه على خدّها و تمسحه على بدنها.
[١] الصفيق من الثوب: ما كثف نسجه.
[٢] المغلّظة: المؤكدة من اليمين، و المحرّجة: اليمين التي تضيق مجال الحالف بحيث لا يبقى له مندوحة عن برّ قسمه.