تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٦٦٦ - الخامسة
و البارد شيء كثير، و بقيت إلى العصر.
ثمّ دعاني، فقال: سرّح. و دعا بذلك الطشت، فسرّحت، و خرج الدم إلى أن امتلأ الطشت، فقال: اقطع. فقطعت و شدّ يده، و ردّني إلى الحجرة، فبتّ فيها.
(١) فلمّا أصبحت و ظهرت الشمس دعاني و أحضر ذلك الطشت و قال: سرّح. فسرّحت، فخرج من يده مثل اللبن الحليب إلى أن امتلأ الطشت، ثم قال: اقطع. فقطعت، و شدّ يده، و قدّم إليّ تخت ثياب و خمسين دينارا و قال: خذها، و أعذر و انصرف. فأخذت و قلت:
يأمرني السيد بخدمة؟ قال: نعم، تحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول.
فصرت إلى بختيشوع، و قلت له القصّة.
فقال: أجمعت الحكماء على أنّ اكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة أمنان من الدم، و هذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجبا، و أعجب ما فيه اللبن.
ففكّر ساعة، ثمّ مكثنا ثلاثة ايّام بلياليها نقرأ الكتب على أن نجد لهذه الفصدة ذكرا في العالم فلم نجد، ثمّ قال: لم تبق اليوم في النصرانية أعلم بالطب من راهب بدير العاقول.
(٢) فكتب إليه كتابا يذكر فيه ما جرى، فخرجت و ناديته، فأشرف عليّ، فقال: من أنت؟
قلت: صاحب بختيشوع؛ قال: أ معك كتابه؟ قلت: نعم؛ فأرخى لي زبيلا [١] فجعلت الكتاب فيه، فرفعه فقرأ الكتاب، و نزل من ساعته.
فقال: أنت الذي فصدت الرجل؟ قلت: نعم.
قال: طوبى لأمّك! و ركب بغلا و سرنا، فوافينا «سرّ من رأى» و قد بقي من الليل ثلثه، قلت: أين تحبّ: دار أستاذنا، أم دار الرجل؟ قال: دار الرجل.
(٣) فصرنا إلى بابه قبل الأذان الأول، ففتح الباب، و خرج إلينا خادم اسود، و قال: أيّكما راهب دير العاقول؟ فقال: أنا جعلت فداك. فقال: انزل. و قال لي الخادم: احتفظ بالبغلين.
و أخذ بيده و دخلا، فأقمت إلى أن أصبحنا و ارتفع النهار.
[١] أي القفة أو الجراب أو الوعاء.