تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٥ - الفصل الخامس فيما جرى بينه و بين المنصور الدوانيقي
(١) فأطرق المنصور ساعة و كان على لبد و عن يساره مرفقة جرمقانية [١] و تحت لبده سيف ذو فقار كان لا يفارقه إذا قعد في القبة، قال: أبطلت و أثمت، ثم رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه و قال: هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي و أن يبايعوك دوني.
(٢) فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت و لا استحلّ ذلك و لا هو من مذهبي و إنّي لمن يعتقد طاعتك على كلّ حال و قد بلغت من السنّ ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته، فصيّرني في بعض جيوشك حتى يأتيني الموت فهو منّي قريب، فقال: لا و لا كرامة، ثمّ أطرق و ضرب يده إلى السيف فسلّ منه مقدار شبر و أخذ بمقبضه، فقلت: انّا للّه و انّا إليه راجعون، ثمّ ردّ السيف و قال: يا جعفر أ ما تستحي مع هذه الشيبة و مع هذا النسب أن تنطق بالباطل و تشق عصا المسلمين؟ تريد أن تريق الدماء و تطرح الفتنة بين الرعيّة و الأولياء.
(٣) فقال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت و لا هذه كتبي و لا خطّي و لا خاتمي، فانتضى من السيف ذراعا، فقلت: إنّا للّه مضى الرجل و جعلت في نفسي إن أمرني فيه بأمر أن أعصيه لأنني ظننت انّه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا فقلت: إن أمرني ضربت المنصور و إن أتى ذلك عليّ و على ولدي، و تبت إلى اللّه عز و جل ممّا كنت نويت فيه اوّلا، فأقبل يعاتبه و جعفر يعتذر، ثم انتضى السيف الّا شيئا يسيرا منه، فقلت: إنا للّه مضى و اللّه الرجل، ثم أغمد السيف و أطرق ساعة، ثم رفع رأسه و قال: اظنّك صادقا، يا ربيع هات العيبة من موضع كانت فيه في القبّة، فأتيته بها، فقال: ادخل يدك فيها، فكانت مملوّة غالية [٢]، وضعها في لحيته و كانت بيضاء فاسودّت، و قال لي: احمله على فاره من دوابيّ التي أركبها و أعطه عشرة آلاف درهم، و شيّعه إلى منزله مكرما و خيّره إذا أتيت به إلى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه
[١] مرفقة جرمقانية: المرفقة هي المخدة، و جرمقانية نسبة إلى قوم من الناس قيل أنهم أنباط الشام و قيل هم قوم في الموصل من العجم.
[٢] الغالية: أخلاط من الطيب.