تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ١٤ - الثامن
لون آخر، و كان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية اللّه عز و جل، و كان يصلّي صلاة مودّع يرى انّه لا يصلّي بعدها أبدا، و لقد صلّى ذات يوم فسقط الرداء عن احدى منكبيه فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته، فسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال: ويحك أ تدري بين يدي من كنت، انّ العبد لا يقبل من صلاته الّا ما أقبل عليه منها بقلبه، فقال الرجل: هلكنا، فقال: كلّا، انّ اللّه عز و جل متمّم ذلك بالنوافل.
(١) و كان عليه السّلام ليخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره و فيه الصرر من الدنانير و الدراهم، و ربّما حمل على ظهره الطعام أو الحطب حتى يأتي بابا بابا فيقرعه ثم يناول من يخرج إليه، و كان يغطّي وجهه إذا ناول فقيرا لئلّا يعرفه فلمّا توفى عليه السّلام فقدوا ذلك فعلموا انّه كان عليّ بن الحسين عليه السّلام، و لمّا وضع على المغتسل نظروا الى ظهره و عليه مثل ركب الابل مما كان يحمل على ظهره الى منازل الفقراء و المساكين.
(٢) و لقد خرج ذات يوم و عليه مطرف خزّ فعرض له سائل فتعلّق بالمطرف (فأخذه من الامام) فمضى و تركه، و كان يشتري الخزّ في الشتاء فإذا جاء الصيف باعه فتصدّق بثمنه، و لقد نظر عليه السّلام يوم عرفة الى قوم يسألون الناس، فقال: و يحكم، أغير اللّه تسألون في مثل هذا اليوم انّه ليرجى في هذا اليوم لما في بطون الحبالى أن يكونوا سعداء.
(٣) و لقد كان عليه السّلام يأبى أن يؤاكل امّه، فقيل له: يا ابن رسول اللّه أنت أبرّ الناس و أوصلهم للرحم فكيف لا تؤاكل أمّك؟ فقال: إنّي أكره أن تسبق يدي الى ما سبقت عينها إليه، و لقد قال له عليه السّلام رجل: يا ابن رسول اللّه إنّي لأحبّك في اللّه حبّا شديدا، فقال: اللهم إنّي أعوذ بك أن أحبّ لك و أنت لي مبغض، و لقد حجّ على ناقة له عشرين حجّة فما قرعها بسوط، فلمّا توفّت أمر بدفنها لئلّا تأكلها السباع.
(٤) و لقد سئلت عنه مولاة له فقالت: أطنب أو أختصر؟ فقيل لها: بل اختصري، فقالت: ما أتيته بطعام نهارا قط و ما فرشت له فراشا بليل قط.
و لقد انتهى ذات يوم الى قوم يغتابونه فوقف عليهم فقال: ان كنتم صادقين فغفر اللّه لي و ان