بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٧ - ٢- البرهان الثاني، و حاصله انّ حجيّة القطع ذاتية، لكن هل أنّ الحجيّة بالنسبة إلى القطع، نسبتها إليه، هل هي نسبة المقتضي إلى المقتضى، أو نسبة المعلول إلى العلّة التامة؟
للنّار، لأنّ النّار حارة بالطبع، و البرودة ذاتيّة للماء، لأنّه جسم بارد بالطبع، لكن الحرارة ذاتية على نحو العلّة التامة، و نسبة البرودة إلى الماء نسبة المقتضى إلى المقتضي، أي أنّه لو خلّي الماء و طبعه فهو بارد، لكن يمكن أن يتخلّف، إذن، فالذاتي على نحوين.
و حينئذ يحتاج إلى استئناف بحث، في أنّ الحجيّة، هل هي ذاتية عليّا، أو أنّها ذاتية اقتضائيا؟. فإذا كانت ذاتية عليّا، فهذا معناه: انّ حكم العقل بالحجيّة يكون تنجيزيا، و أمّا إذا كانت الحجيّة اقتضائية، فهذا معناه: انّ العقل يحكم بالحجيّة التعليقية، بمعنى أنّه على تقدير عدم المانع يحكم العقل بحجية القطع، بأن يفرض انّ العقل يرى انّ القطع حجّة ما لم يجيء ترخيص على خلافه، حيث أنّ مجيء الترخيص على خلافه يرفع موضوع الحجيّة.
و مرجع هذا الكلام، إلى أنّ حجيّة القطع لا بدّ من حسابها، و هل أنّها تنجيزية أو تعليقيّة، فعلى الأول تكون نسبتها إلى القطع نسبة المعلول إلى العلّة التامة، و حينئذ، يكون الترخيص مناف و مضاد للحجيّة، و إذا كانت حجيّة القطع اقتضائية تعليقيّة، تكون نسبتها إلى القطع نسبة المقتضى إلى المقتضي، و حينئذ لا يكون الترخيص مناف و مضاد لحكم العقل.
و بناء عليه: فهذا المقدار لا يكفي للبرهنة إذن، ما لم يتحقّق أنّ نسبة الحجيّة هي نسبة المعلول إلى العلّة التامة، و إلّا فلا تنافي و لا تضاد.
و الحاصل هو، أنّ البرهان الثاني بهذا المقدار الّذي عرفت هو غير تام أيضا، لأنّ ما ذكر فيه من انّ إزالة الحجيّة عن القطع تفكيك بين الذات و الذاتي، و العلّة و المعلول هو، غير كاف في البرهنة، و إنّما يصلح للبرهنة فيما لو كانت علّية القطع للتنجيز علّية تامة لا علّية اقتضائية