بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٩ - المقام الثاني استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به
المقتضي، حيث أنّ الاستحقاق علّة مركّبة من مقتضي و عدم مانع، فالمقتضي يجب أن يكون أمرا اختياريا دائما، و أمّا المانع عن الاستحقاق فلا يلزم كونه اختياري، و هذا أمر لا بدّ من الالتزام به، إذ هناك أمور غير اختيارية تكون مانعة عن الاستحقاق جزما كالعجز مثلا، كما لو فرض أنّه حدّث نفسه بشرب الخمر لكنّه كان عاجزا عنه، فهنا لا عقاب، لوجود المانع الّذي هو غير اختياري، و هذه كبرى.
و حينئذ نقول: انّه لو فرض أنّنا نقول: بأنّ نفس المصادفة هي المقتضي لتمّ ما ذكر، و أمّا إذا فرض أنّ المقتضي للاستحقاق كان عبارة عن نفس تصدّيه لعصيان المولى- و هذا قد وقع منه بمحض اختياره- إذن، فهذا المعنى أمر اختياري محفوظ في المتجري و العاصي معا، غايته أنّه في العاصي، المقتضي أثّر أثره، لعدم اقترانه بالمانع، و أمّا في المتجري، فقد اقترن هذا المقتضي بالمانع، و هو خطؤه في التشخيص، و هذا المانع و إن كان غير اختياري لكن لا يضرّ في كونه مستحقّا للعقاب.
و هذا الجواب على مستوى هذا البيان صحيح: إلّا أنّ هذا الّذي ذكره الشّيخ الأعظم (قده) [١] لو صيغ بالعبارة الّتي صغناه بها لانطبق على مسلكنا، فإنّ المتجري و العاصي كلاهما هتك المولى و ستر المولويّة و تحدّاه، و لا فرق بينهما من هذه الناحية، و مجرد إصابة هذا، و عدم إصابة ذاك، لا دخل لها في مقدار التحدّي، بل نسبة التحدّي واحدة، و حيث أنّ حقّ المولويّة مرجعه إلى حقّ احترامي، فنسبة هتك هذا الحق إليهما على حدّ سواء، فلا بدّ أن يشتركا في العقاب، و حينئذ، بهذا البيان يكون هذا البرهان صحيحا.
[١] فرائد الأصول: الأنصاري، ص ٥، ٦.