بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٢ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
لكن الصيغة الثانية منطبقة، لأنّ هذا الفعل منشؤه هو الإرادة، و هو يكفي في الاختياريّة.
و هنا في مورد التجري، تعلقت إرادة هذا الإنسان بشرب الخمر، فتشخّص انّ هذا الخل خمر فشربه، فهنا، لو لاحظنا الصيغة الأولى، فهو لم يصدر منه فعل ذو عنوان اختياري لما مرّ معنا، لكن لو لاحظنا الصيغة الثانية، فهذا الفعل منه اختياري، لأنّه بعد تشخيص انّه خمر و لو خطأ، فالّذي حرّكه نحوه هو الإرادة، إذن فهذا الفعل نشأ عن الإرادة، و هذا يكفي في اختياريته.
و الحاصل هو، انّ هذا الفرد الخارجي قد صدر منه باختياره بعد أن طبّق مراده عليه و شخّصه فيه، إذن، فتحركه نحو إيجاد ذلك الفرد المشخّص بإرادته و اختياره اختياري، سواء أخطأ في تشخيصه، أو كان تشخيصه مطابقا للواقع.
و بهذا، نكون في الصيغة الثانية قد وفّقنا بين وجداننا و بينها.
٤- البرهان الرابع: لصاحب الكفاية (قده) [١] نذكره مع شيء من التنقيح، و حاصله هو، انّ هذا المتجري لو فرض أنّه رأى شخصا يغرق، فتخيّله عدوا للمولى، لكن تجرّى و أنقذه، فتبيّن أنّه ابن المولى، ففي مثل ذلك، هل يقال: بانّ هذا الإنقاذ أمر محبوب أم لا؟ فإن قيل انّه ليس بمحبوب للمولى، فهذا خلاف الوجدان، و إن قيل انّه محبوب للمولى، فحينئذ لو التزم بقبح الفعل المتجرّى به مع كونه محبوبا للمولى لزم اجتماع الضدين، و هو مستحيل.
و هذا الوجه يتضح جوابه ممّا ذكرناه سابقا، فانّ هذا خلط بين باب الحسن و القبح و بين باب المصالح و المفاسد، و على كلّ، فنحن
[١] كفاية الأصول: الخراساني، ج ١، ص ٢٦١، ٢٦٢.