بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٦ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
الحكماء، حيث أنّهم يصرحون بأنّ القضايا المشهورة- و الّتي جعل الحسن و القبح منها- هي قضايا مقرونة بالتصديق الجازم و محط له، كما في القضايا الضرورية، غاية الأمر انّ التصديق الجازم في القضايا المشهورة أضعف جنبة من ناحية الحقّانيّة و مضمونيتها من التصديق الجازم في باب القضايا الضرورية.
و من الواضح انّه مع الاعتراف بأنّ القضايا المشهورة تستبطن تصديقا جازما بمفادها، فهذا يستلزم كون القضية خبرية تصديقيّة لا إنشائية جعلية، و إلّا لو كانت قضايا مجعولة فما معنى تصديق العقلاء بالحسن و القبح و جعلهم بالنسبة للعاقل الأول قبل وجود العقلاء إذا كان عبارة عن جعل الحكم و اتخاذ الموقف، حيث ينبغي أن يقال بعدم قبح الظلم و حسن العدل في حق العاقل الأول، مع أنّ هذا خلاف الوجدان.
إذن فلا بدّ و أن تكون هذه القضايا واقعية إخبارية لا إنشائية، حيث أنّهم اعترفوا بأنّ التصديق الجازم تستبطنه القضية المشهورة كما اعترف بذلك المنطق الأرسطي، و عليه: فلا بدّ أن نفرض انّ القضية المشهورة فيها جنبة حكاية و إراءة، و إنّها غير متمحضة في الناحية الإنشائية.
إذن، فتفسير القضايا المشهورة بالمعنى الّذي يقدره المناطقة، بأنّها عبارة عن أحكام من قبل العقلاء، لا ينطبق على مصادر البحث مع المنطق الأرسطي.
ثمّ انّ دعوى كون الحسن و القبح أمرا جعليا إنشائيا إيجاديا لا واقعيا خارجيا، إمّا أن ترجع إلى دعوى ثبوتية أو دعوى إثباتية.
أمّا رجوعها إلى دعوى ثبوتية فهي أن يقال: بأنّ حسن العدل و قبح الظلم يستحيل كونهما أمرين خارجيين، فيتعين أن يكونا أمرين إنشائيين جعليّين بالبرهان، فالمطلب حينئذ ثبوتي.