بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩١ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
فالخطأ بنحو التوسيع في الكبرى، كما لو فرض أنّ إنسانا كان يتخيّل انّ الجار يكون له من المرتبة على حدّ ما للمنعم بحيث أنّه تقبح مخالفته، فإذا اعتقد بهذا أو أدركه، فهل يقبح منه حقيقة مخالفته أو لا؟.
و الصحيح أنّه يقبح منه مخالفته، فإنّ موضوع القبح هو ما يراه الفاعل انّه ممّا لا ينبغي، و لهذا لو أقدم هذا الإنسان على مخالفة هذا الجار لصحّ ذمّه و توبيخه، إذ ما دام أنّه يراه قبيحا فكيف يقدم على مخالفته.
و هذا القبح ليس توسعة في دائرة من دوائر القبح الأولي، بل هو قبح طولي ثانوي، لأنّه أخذ في موضوعه إدراك قبح أولي، لأنّ هذا القبح مرجعه إلى أنّ من يدرك إنّ شيئا «ما» قبيحا ثمّ يقدم عليه فهو منه قبيح، إذن، فهو قبح طولي ثانوي أخذ في موضوعه إدراك قبح أولي، سواء كان إدراك القبح الأولي الّذي أخذ في موضوع هذا القبح الثانوي إدراكا مطابقا للواقع، أو مخالفا للواقع، فهذا بنفسه قبح ثانوي، و لازم ذلك هو انّ هذا الإنسان الّذي أدرك وهما قبح مخالفة الجار، لو ارتكب مخالفة الجار فيكون قد صدر منه القبح الثانوي، لأنّ القبح هو، ارتكاب ما تخيّله قبيحا، و إلّا فنفس مخالفة الجار بما هي لا قبح فيها، و إنّما كان ذلك قبحا لما تخيّله أنّه قبيح.
و أمّا إذا فرض انّ إنسانا أدرك قبح مخالفة المنعم، و كان هذا الإدراك مطابقا للواقع، و مع هذا خالفه، فهنا يوجد قبيحان، لأنّه ارتكب القبح الأولي، و القبح الثانوي، لأنّه ارتكب مخالفة المنعم بما هو منعم، و هو قبيح أولي، و ارتكب ما يراه قبيحا، و به يكون قد ارتكب قبيحا ثانيا ثانويا، ففي الأول، القبح الطولي موجود، و في الثاني، الأولي و الطولي موجود، إذن فهذان فرضان.