بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٩ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
فيكونوا قد نفوا إطلاق الكبرى، لا الكبرى رأسا، و سمّوه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فمثل هذا يكون خطأ بنحو التضييق بلحاظ الكبرى، فمن ارتكب الخطأ، فهل يؤثر في رفع قبح المخالفة في حقّه؟ أي انّ عدم علمه بالقبح الّذي هو أمر واقعي، هل يمنع عن فعليّة القبح؟ طبعا لا، إذ يستحيل ذلك، لأنّه لو كان يمنع عن فعليّة القبح لكان القبح مشروطا بالعلم به، و هو محال و دور، لأنّ معناه: انّ الشيء موقوف وجوده على العلم بوجوده، و هو دور، و عليه فالقاصر الّذي لم يدرك أصل كبرى قبح مخالفة المنعم، أو الّذي لم يدرك إطلاق هذه الكبرى، يبقى القبح فعلي في حقّه، فلو خالف المولى، إذن فقد ارتكب ما لا ينبغي، و هو معنى القبح، لأنّ عدم الانبغاء يستحيل كونه مشروطا بالعلم، لأنّ الشيء لا يكون مشروطا بالعلم بنفسه.
إذن فالخطأ بنحو التضييق لا يوجب نفي القضية الأولى، و هي قبح المخالفة.
لكن يمكن أن يقال: بأنّ هذا الخطأ يوجب نفي القضية الثانية، و هي استحقاق العقاب، فيقال: بأنّ استحقاق العقاب الّذي يرجع إلى قولنا: إنّ المولى الّذي ينبغي له أن يعاقب لا يقبح منه أن يعاقب، فهذه القضية مشروطة بالعلم بالأولى، لأنّه لم يجعل العلم بشيء شرط في نفس ذلك الشيء، إذن فلا يلزم في هذه القضية دور، لأنّ هذه القضية غير تلك القضية، إذن فيمكن أن نقول: إنّ حسن العقاب و استحقاقه مشروط بالعلم بالقضية الأولى و لا دور، و حينئذ، القاصر لا يعاقب و إن ارتكب قبيحا، لأنّه لم يعلم بالأولى، فمن تمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان يقول: بأنّ مثل هذا القاصر لا يستحقّ العقاب لأنّه خالف المولى بلا بيان، و المفروض أنّ القضية الثانية مشروطة بالعلم بالقضية الأولى، فهذا خطأ بنحو التضييق بلحاظ الكبرى.