بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٧ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و نحن إنّما نريد أن نحلل هذا لنثبت من خلاله أنّ قضية قبح الظلم في تركيبها خطأ منطقي، و هي ترجع إلى تركيب منطقي آخر، و إن كان مضمونها صحيحا، فالظلم قبيح، و معنى قبيح يعني أنّه لا ينبغي وقوعه، إذن، هذه القضية لها موضوع و محمول، فموضوعها الظلم، و محمولها لا ينبغي، أمّا الموضوع، و هو الظلم، فمعناه «سلب ذي الحق حقّه» إذن، الحق أمر مستبطن في معنى الظلم و مفروض فيه، و هذا الحق ليس عبارة عن حق من الحقوق المجعولة، لأنّنا نتكلم عن عالم مدركات العقل العملي، أي الحسن و القبح الثابتين بقطع النظر عن جعل جاعل، بل هي واقعية تكوينية، كما لو فرض أنّ لزيد حق واقعي تكويني على عمرو، و هذا يسلبه حقّه، و معنى أنّ له حقّ عليه، متمثل في أن يطيعه و يتأدّب أمامه، و هذا معناه: انّ عمرا ينبغي له أن يطيعه، فهذا التعبير هو عين ذاك، فقولنا: يحقّ لزيد على عمرو أن يطيعه، يعني أنّ عمروا عليه أن يتأدّب بين يديه، يعني لا ينبغي له أن يخالفه، إذن، بحسب التحليل، مفهوم الظلم قد استبطن بنفسه عدم الانبغاء، فالظلم الّذي هو موضوع القضية، يرجع بحسب التحليل إلى أنّ عمروا لا ينبغي له أن يخالفه، إذن، فترجع قضية انّ الظلم قبيح، إلى ان ترك فعل عمرو إلى ما لا ينبغي اتجاه زيد، أي إلى عدم الانبغاء، فتكون القضية ضرورية بشرط المحمول، إذن، فلا معنى لهذه القضية إلّا مجرد الإشارة إلى موارد الظلم خارجا، و إلّا، فبحسب هذا التحليل، صار المحمول مستبطنا في الموضوع، و هذا لا معنى له، و عليه فتركيب هذه القضية المنطقي خطأ.
و التركيب الصحيح هو أن يقال: الخيانة قبيحة، و الكذب قبيح، و هتك المولى قبيح و نحوه، فهنا لا يكون المحمول مستبطنا في الموضوع. و بالجملة: إذا أردنا الإشارة إليها نقول: الظلم قبيح، فهذه القضية منتزعة من مجموع قضايا، و أصل المطلب هو تلك القضايا، من قبيل مخالفة المنعم قبيحة، و هي محل كلامنا.